مجمع البحوث الاسلامية
443
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
لا يعلمون منتهى ما يصيرون إليه منه وفي كلّ ذلك حكمة ، وبعضه يشبه بعضا في الحكمة . ( 1 : 345 ) الجصّاص : قد بيّنّا في صدر الكتاب معنى المحكم والمتشابه ، وأنّ كلّ واحد منهما ينقسم إلى معنيين : أحدهما : يصحّ وصف القرآن بجميعه ، والآخر : إنّما يختصّ به بعض القرآن دون بعض ، قال اللّه تعالى : الر كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ هود : 1 ، وقال تعالى : الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ يونس : 1 ، فوصف جميع القرآن في هذه المواضع بالإحكام ، وقال تعالى : اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ الزّمر : 23 ، فوصف جميعه بالمتشابه ، ثمّ قال في موضع آخر : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فوصف هاهنا بعضه بأنّه محكم ، وبعضه متشابه . والإحكام الّذي عمّ به الجميع هو الصّواب والإتقان اللّذان يفضّل بهما القرآن كلّ قول . وأمّا موضع الخصوص في قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ فإنّ المراد به اللّفظ الّذي لا اشتراك فيه ، ولا يحتمل عند سامعه إلّا معنى واحدا ، وقد ذكرنا اختلاف النّاس فيه ، إلّا أنّ هذا المعنى لا محالة قد انتظمه لفظ الإحكام المذكور في هذه الآية ، وهو الّذي جعل إمّا للمتشابه الّذي يردّ إليه ويحمل معناه عليه ، وأمّا المتشابه الّذي عمّ به جميع القرآن في قوله تعالى : كِتاباً مُتَشابِهاً ، فهو التّماثل ونفي الاختلاف والتّضادّ عنه ، وأمّا المتشابه المخصوص به بعض القرآن ، فقد ذكرنا أقاويل السّلف فيه . وما روي عن ابن عبّاس : « أنّ المحكم هو النّاسخ ، والمتشابه هو المنسوخ » ، فهذا عندنا هو أحد أقسام المحكم والمتشابه ، لأنّه لم ينف أن يكون للمحكم والمتشابه وجوه غيرهما ، وجائز أن يسمّى النّاسخ محكما لأنّه ثابت الحكم ، والعرب تسمّى البناء الوثيق محكما ؛ ويقولون في العقد الوثيق الّذي لا يمكن حلّه : محكما ، فجائز أن يسمّى النّاسخ محكما ؛ إذ كانت صفته الثّبات والبقاء ، ويسمّى المنسوخ متشابها من حيث أشبه في التّلاوة المحكم ، وخالفه في ثبوت الحكم ، فيشتبه على التّالي حكمه في ثبوته ونسخه ، فمن هذا الوجه جائز أن يسمّى المنسوخ متشابها . وأمّا قول من قال : إنّ المحكم هو الّذي لم تتكرّر ألفاظه ، والمتشابه هو الّذي تتكرّر ألفاظه ، فإنّ اشتباه هذا من جهة اشتباه وجه الحكمة فيه على السّامع ، وهذا سائغ عامّ في جميع ما يشتبه فيه وجه الحكمة فيه على السّامع إلى أن يتبيّنه ويتّضح له وجهه ، فهذا ممّا يجوز فيه إطلاق اسم المتشابه ، وما لا يشتبه فيه وجه الحكمة على السّامع فهو المحكم الّذي لا تشابه فيه ، على قول هذا القائل ، فهذا أيضا أحد وجوه المحكم والمتشابه ، وإطلاق الاسم فيه سائغ جائز . وأمّا ما روي عن جابر بن عبد اللّه : أنّ المحكم : ما يعلم تعيين تأويله ، والمتشابه : ما لا يعلم تأويله ، كقوله تعالى : يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها النّازعات : 42 ، وما جرى مجرى ذلك ، فإنّ إطلاق اسم المحكم والمتشابه سائغ فيه ، لأنّ ما علم وقته ومعناه