مجمع البحوث الاسلامية

444

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فلا تشابه فيه ، وقد أحكم بيانه . وما لا يعلم تأويله ومعناه ووقته فهو مشتبه على سامعه ، فجائز أن يسمّى بهذا الاسم . فجميع هذه الوجوه يحتمله اللّفظ على ما روي فيه ، ولولا احتمال اللّفظ لما ذكروا ، لما تأوّلوه عليه ، وما ذكرناه من قول من قال : إنّ المحكم هو ما لا يحتمل إلّا معنى واحدا ، والمتشابه : ما يحتمل معنيين ، فهو أحد الوجوه الّذي ينتظمها هذا الاسم ، لأنّ المحكم من هذا القسم سمّي محكما لإحكام دلالته ، وإيضاح معناه وإبانته . والمتشابه منه سمّي بذلك ، لأنّه أشبه المحكم من وجه واحتمل معناه ، وأشبه غيره ممّا يخالف معناه معنى المحكم ، فسمّي متشابها من هذا الوجه . فلمّا كان المحكم والمتشابه يعتورهما ما ذكرنا من المعاني احتجنا إلى معرفة المراد منها بقوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ الآية ، مع علمنا بما في مضمون هذه الآية وفحواها من وجوب ردّ المتشابه إلى المحكم ، وحمله على معناه دون حمله على ما يخالفه ، لقوله تعالى : في صفة المحكمات هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ والأمّ هي الّتى منها ابتداؤه وإليها مرجعه ، فسمّاها أمّا فاقتضى ذلك بناء المتشابه عليها وردّه إليها . ثمّ أكدّ ذلك بقوله : فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ . . . آل عمران : 7 ، فوصف متّبع المتشابه من غير حمله له على معنى المحكم بالزّيغ في قلبه ، وأعلمنا أنّه مبتغ للفتنة ، وهي الكفر والضّلال في هذا الموضع ، كما قال تعالى : وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ البقرة : 191 ، يعنى - واللّه أعلم - الكفر ، فأخبر أنّ متّبع المتشابه وحامله على مخالفة المحكم في قلبه زيغ ، يعني الميل عن الحقّ ، يستدعي غيره بالمتشابه إلى الضّلال والكفر ، فثبت بذلك أنّ المراد بالمتشابه المذكور في هذه الآية هو اللّفظ المحتمل للمعاني الّذي يجب ردّه إلى المحكم ، وحمله على معناه . ثمّ نظرنا بعد ذلك في المعاني الّتي تعتور هذا اللّفظ وتتعاقب عليه ، ممّا قدّمنا ذكره في أقسام المتشابه عن القائلين بها على اختلافها مع احتمال اللفظ ، فوجدنا قول من قال : بأنّه النّاسخ والمنسوخ ، فإنّه إن كان تاريخهما معلوما فلا اشتباه فيهما على من حصل له العلم بتاريخهما ، وعلم يقينا أنّ المنسوخ متروك الحكم ، وأنّ النّاسخ ثابت الحكم ، فليس فيهما ما يقع فيه اشتباه على السّامع العالم بتاريخ الحكمين اللّذين لا احتمال فيهما لغير النّاسخ ، وإن اشتبه على السّامع من حيث إنّه لم يعلم التّاريخ ، فهذا ليس أحد اللّفظين أولى بكونه محكما من الآخر ، ولا بكونه متشابها منه ، إذ كلّ واحد منهما يحتمل أن يكون ناسخا ، ويحتمل أن يكون منسوخا ، فهذا لا مدخل له في قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ . وأمّا قول من قال : إنّ المحكم : ما لم يتكرّر لفظه ، والمتشابه : ما تكرّر لفظه . فهذا أيضا لا مدخل له في هذه الآية ، لأنّه لا يحتاج إلى ردّه إلى المحكم ، وإنّما يحتاج إلى تدبّره بعقله ، وحمله على ما في اللّغة من تجويزه . وأمّا قول من قال : إنّ المحكم : ما علم وقته