مجمع البحوث الاسلامية

142

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بظهور الحقّ ، يمحق الباطل ، ويفقد كلّ خلّاقيّته ، والحال أنّنا نرى أنّ الباطل له جولات وصيت إلى الآن ، ويسيطر على مناطق كثيرة ؟ . وللإجابة على هذا السّؤال ، يجب الالتفات إلى ما يلي : أوّلا : إنّه بظهور الحقّ وإشراقه ، فإنّ الباطل - والّذي هو الشّرك والنّفاق والكفر وكلّ ما ينبع عنها - يفقد بريقه ، وإذا استمرّ وجوده فبالقوّة والظّلم والضّغط ، وإلّا فإنّ النّقاب قد أزيل عن وجهه ، وظهرت صورته القبيحة لمن يطلب الحقّ ، وهذا هو المقصود من : مجيء الحقّ ومحو الباطل . ثانيا : لأجل تحقّق حكومة الحقّ وزوال حكومة الباطل في العالم ، فإضافة إلى الإمكانيّات الّتي يضعها اللّه في خدمة عباده ، هناك شرائط أخرى مرتبطة بالعباد أنفسهم ، والّتي أهمّها « القيام بترتيب المقدّمات للاستفادة من تلك الإمكانيّات الإلهيّة » وبتعبير آخر فإنّ انتصار الحقّ على الباطل ليس فقط في المناحي العقائديّة والمنطقيّة وفي الأهداف ، بل في المناحي الإجرائيّة على أساسين ، « فاعليّة الفاعل » و « قابليّة القابل » وإذا لم يصل الحقّ إلى النّصر على الباطل في المرحلة العمليّة نتيجة عدم تحقّق القابليّة ، فليس ذلك دليلا على عدم انتصاره . ولنضرب لذلك مثلا قرآنيّا ، فالآية الكريمة تقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ المؤمن : 60 ، ولكن المعلوم لدينا بأنّ استجابة الدّعاء ليست بدون قيد أو شرط ، فإن تحقّقت شرائط الدّعاء فهو مستجاب قطعا ، وفي غير هذه الحالة ينبغي عدم انتظار الاستجابة . وذلك بالضّبط ، كما لو أنّنا أتينا بطبيب حاذق لمريض ممدّد على فراشه ، وعندها نقول له : زادت فرصة النّجاة لك ، وفي أيّ وقت أحضرنا له دواء نذكره بأنّنا قد حلّلنا له مشكلا آخر ، في حين أنّ كلّ هذه الأمور هي مقتضيات الشّفاء ليست علّة عامّة ، فيجب أن يكون الدّواء مؤثّرا في المريض ، وأن تراعى توصيات الطّبيب ، كما أنّه يجب أن لا ننسى الحمية وأثرها ، لكي يتحقّق الشّفاء العينيّ والواقعيّ ، تأمّل . ( 13 : 446 ) فضل اللّه : في هذا القرآن الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، ليتحدّى الآخرين ، في ما يطلق من عقائد ومفاهيم وتشريعات للحياة ويحرّك من ساحات الصّراع القائم على الحجّة الواضحة والبيّنة القاطعة ، على أساس الخطّ الّذي يتحرّك فيه العقل ليدلّ على اللّه ، وليكشف العمق الخفيّ من آياته ، وليوضّح مشكلات الأفكار ، ويواجه تحدّيات الفكر الآخر المضادّ ، لقد جاء ليفتح العقول على الإسلام ، لتفهمه ولتتأمّل فيه ، ولتناقشه ولتقتنع به ولتدعو له ، ولتلزم به ليكون الدّين كلّه للّه . ( 19 : 71 ) 53 - إِنَّا أَرْسَلْناكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ . فاطر : 24 ابن عبّاس : ( بالحقّ ) بالقرآن . ( 366 ) نحوه الماورديّ . ( 4 : 470 )