مجمع البحوث الاسلامية
120
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بينما يشير الثّاني إلى مرحلة الفعل والتّحقيق . 2 - الجملة الأولى تشير إلى أنّ مادّة القرآن ومحتواه هو الحقّ ، أمّا التّعبير الثّاني فإنّه يبيّن أنّ نتيجته وثمرته هي الحقّ أيضا . 3 - الرّأي الثّالث : يرى أنّ الجملة الأولى تقول : إنّنا نزّلنا هذا القرآن بالحقّ بينما الثّانية تقول : لأنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وآله لم يتدخّل في الحقّ ولم يتصرّف به ، لذا فقد نزل بالحقّ . وثمّة احتمال آخر قد يكون أوضح من هذه التّفاسير ، وهو أنّ الإنسان قد يبدأ في بعض الأحيان بعمل مّا ، ولكنّه لا يستطيع إتمامه بشكل صحيح ؛ وذلك بسبب من ضعفه ، أمّا بالنّسبة للشّخص الّذي يعلم بكلّ شيء ويقدر على كلّ شيء ، فإنّه يبدأ بداية صحيحة ، وينهي العمل نهاية صحيحة . وكمثال على ذلك : نرى أنّ الإنسان قد يرى ماء صافيا ينبع من عين ، ولكن خلال مسير هذا الماء لا يستطيع الإنسان أن يحافظ على صفاء هذا الماء ونظافته ، أو أن يمنعه من التّلوّث لذلك ، فإنّ هذا الماء يصل في هذه الحالة إلى الآخرين وهو ملوّث ، إلّا أنّ الشّخص المحيط بالأمور ، يبقي الماء صافيا ويبقيه بعيدا عن عوامل التّلوّث ، حتّى يصل إلى العطاشى والمحتاجين له . القرآن كتاب نزل بالحقّ من قبل الخالق ، وهو محفوظ في جميع مراحله ، سواء في المرحلة الّتي كان الوسيط فيها جبرائيل الأمين ، أو المرحلة كان الرّسول فيها هو المتلقّي ، وبمرور الزّمن لم تستطع يد التّحريف والتّزوير أن تمتدّ إليه بمقتضى قوله تعالى : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ الحجر : 9 ، فاللّه هو الّذي يتكفّل حمايته وحراسته . لذا فإنّ هذا الماء النّقيّ الصّافي والوحي الإلهيّ القويم لم يغيّر أو يحرّف منذ عصر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وحتّى نهاية العالم . ( 9 : 151 ) فضل اللّه : وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ فقد أراده اللّه أن يكون مصدرا للحقيقة في حياة الإنسان ، من خلال ما يمثّله من فكر ومنهج وتشريع ليركز الوعي على أساس ثابت قويّ لا يهتزّ ولا يزول ، فليس هناك عبث ولا لغو ولا باطل في أيّ موقع من مواقعه ، لأنّ اللّه هو الحقّ ، ولا يمكن أن يصدر منه إلّا الحقّ الّذي تلتقي فيه الوسيلة بالهدف ، والنّظريّة بالتّطبيق في انسجام كامل . وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وذلك من خلال ما يبلّغه الرّسول من آياته بكلّ صدق وأمانة ، فلا يضيف إليه منه أيّة كلمة مهما كانت ، لأنّ دوره هو دور المبلّغ الّذي لا يملك الحقّ في أي تغيير بالنّصّ الموحى به من اللّه سبحانه ، وهكذا نزل بالحقّ في ما كان يريد أن يؤكّده من مبادئ وأفكار ، أو يحقّقه من مواقف ومواقع وأوضاع . وقد أراد اللّه للقرآن أن يثبّت الحقّ في الحياة وفي الإنسان ، وكان اللّه ما أراد في حركة القرآن في خطّ التّبليغ والحركة والواقع . وإذا كان القرآن قد أكّد الحقّ ، كأساس للخطّ الّذي يتحرّك فيه الإنسان من خلال المضمون الفكريّ