مجمع البحوث الاسلامية

838

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ثانيا : جاء ( حفىّ ) في ( 2 ) متعدّيا ب « عن » ، والمشهور أنّه يتعدّى بالباء ، وفيه بحوث : 1 - فسّروه بالعالم ، والفرح ؛ فعلى الأوّل هو « فعيل » من قولهم : أحفى به وتحفّى به ، أي بالغ في برّه والسّؤال عن حاله . قال الفخر الرّازيّ : « من أكثر السّؤال والبحث عن الشّيء علمه » . وعلى الثّاني هو « فعيل » من قولهم : حفي به حفاوة ، أي بالغ في إكرامه ولطف به . قال الطّبرسيّ : « الحفاوة في المسألة هي البشاشة بالمسؤول عنه » . 2 - قال بعضهم : فيه تقديم وتأخير ، والتّقدير : يسألونك عنها كأنّك حفيّ بها ، ثمّ حذف الجارّ والمجرور ، أي « بها » على القول الأوّل ، والتّقدير : يسألونك عن السّاعة كأنّك عالم بها ، أو « بهم » على القول الثّاني ، والتّقدير : يسألونك عن السّاعة كأنّك بارّ بهم ، فرح بسؤالهم . وقال آخرون : ليس فيه تقديم وتأخير ، و ( عنها ) متعلّق ب ( حفىّ ) على معنى التّضمين ، وعلّل ذلك أبو حيّان بقوله : « لأنّ من كان حفيّا بشيء أدركه وكشف عنه ، فالتّقدير : كأنّك كاشف بحفاوتك عنها » . ثمّ احتمل أن تكون « عن » بمعنى الباء ، كما تكون الباء بمعنى « عن » في قول الشّاعر : فإن تسألوني بالنّساء فإنّني . . . * أي فإن تسألوني عن النّساء . وكأنّ الطّبريّ قد ذهب إلى هذا المذهب أيضا ، فقال : « السّؤال يوصل ب « عن » مرّة وبالباء مرّة ، فيقال : سألت عنه وسألت به ، فلمّا وضع ( حفىّ ) موضع السّؤال ، وصل بأغلب الحرفين اللّذين يوصل بهما السّؤال ، وهو « عن » كما قال الشّاعر : سؤال حفيّ عن أخيه كأنّه * يذكّره وسنان أو متواسن وهذا مردود بما تقدّم ، أي التّقديم والتّأخير ؛ إذ يحتمل أن تكون « عن » في البيت صلة « سؤال » ، وأخّرت عنه ليستقيم الشّعر وزنا . 3 - روى الزّمخشريّ قراءة وردت فيها صلة ( حفىّ ) ، فقال : « قرأ ابن مسعود ( كانّك حفىّ بها ) ، أي عالم بها ، بليغ في العلم بها » . ونسبها ابن عطيّة إلى ابن عبّاس نقلا عن أبي حاتم ، وكذا قال الطّبرسيّ دون ذكر النّاقل ، أي أبي حاتم . ثالثا : جاء فَيُحْفِكُمْ في ( 3 ) عطفا على يَسْئَلْكُمُوها ، وفيه بحوث : 1 - فسّروه بمعان متقاربة : يجهدكم بالمسألة ، ويلحّ عليكم ، ويسألكم جميع ما في أيديكم ، أو يسألكم جميع أموالكم . وهي تعني المبالغة والتّكثير . قال ابن عطيّة : « الإحفاء : هو أشدّ السّؤال ، وهو المخجل المخرج ما عند المسؤول كرها ، ومنه : حفاء الرّجل » . 2 - الفعل فَيُحْفِكُمْ مجزوم بحذف الياء ، وأصله « فيحفيكم » ، لأنّه معطوف على فعل الشّرط يَسْئَلْكُمُوها ، وهو مجزوم تقديرا ، وأصله « يسألكمها » ، واجتلبت الواو لإشباع ضمّة الميم ، و ( تبخلوا ) جواب الشرط ، وهو مجزوم أيضا ، وعلامة جزمه حذف النّون .