مجمع البحوث الاسلامية
803
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وليس لقائل أن يقول : الإيمان بالآخرة يحمل على كلّ الطّاعات ، فما الفائدة في تخصيص الصّلاة بالذّكر ؟ لأنّا نقول : المقصود منه التّنبيه على أنّ الصّلاة أشرف العبادات بعد الإيمان باللّه وأعظمها خطرا ، ألا ترى أنّه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظّاهرة إلّا على الصّلاة ، كما قال تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ البقرة : 143 ، أي صلاتكم ؟ ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلّا على ترك الصّلاة » . وقال الزّمخشريّ في علّة تخصيص الصّلاة بالمحافظة دون غيرها : « لأنّها عماد الدّين ، ومن حافظ عليها كانت لطفا في المحافظة على أخواتها » . وقال محمّد رشيد رضا أيضا : « لأنّه لم يكن فرض عند نزول السّورة من أركان العبادات غيرها ، على أنّه لمّا كانت الصلاة عماد الدّين ورأس العبادات ، وممدّة الإيمان بالتّقوية وكمال الإذعان ، كانت المحافظة عليها داعية إلى القيام بسائر العبادات المفروضة ، وترك جميع المحرّمات المنصوصة ، ومحاسبة النّفس على الشّبهات والأفعال المكروهة » . 3 - جاءت في سورة المؤمنون آيتان - 2 و 9 - بشأن الصّلاة . الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ و وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ فقال البغويّ : « كرّر ذكر الصّلاة ليبيّن أنّ المحافظة عليها واجبة كما أنّ الخشوع فيها واجب » . وقال البيضاويّ : « لفظ الفعل - أي يحافظون - فيه لما في الصّلاة من التّجدّد والتّكرّر ؛ ولذلك جمعه غير حمزة والكسائيّ . وليس ذلك تكريرا لما وصفهم به أوّلا ، فإنّ الخشوع في الصّلاة غير المحافظة عليها ، وفي تصدير الأوصاف وختمها بأمر الصّلاة تعظيم لشأنها » . 4 - وجاءت في سورة المعارج أيضا آيتان ( 23 و 34 ) فقال الزّمخشريّ في ( 40 ) : « إن قلت : كيف قال في سورة المعارج : عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ ، ثمّ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ ؟ قلت : معنى دوامهم عليها أن يواظبوا على أدائها ، لا يخلّون بها ولا يشتغلون عنها بشيء من الشّواغل » . وكذا قال الرّازيّ بما يشبه هذا المعنى ، وأضاف : « قيل : المراد به سكونهم فيها ؛ بحيث لا يلتفتون يمينا ولا شمالا » . 5 - قال الفخر الرّازيّ في ( 41 ) - ويجري في غيرها - « فان قيل : المحافظة لا تكون إلّا بين اثنين كالمخاصمة والمقاتلة ، فكيف المعنى هاهنا ؟ والجواب من وجهين : أحدهما : أنّ هذه المحافظة تكون بين العبد والرّبّ ، كأنّه قيل له : احفظ الصّلاة ليحفظك الإله الّذي أمرك بالصّلاة ، وهذا كقوله : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ البقرة : 152 ، وفي الحديث : « احفظ اللّه يحفظك » . الثّاني : أن تكون المحافظة بين المصلّي والصّلاة ، فكأنّه قيل : احفظ الصّلاة حتّى تحفظك الصّلاة » . وقال أبو البقاء العكبريّ : « يجوز أن يكون من « المفاعلة » الواقعة من واحد ، كعاقبت اللّصّ ، وعافاه اللّه ، وأن يكون من « المفاعلة » الواقعة من اثنين ، ويكون وجوب تكرير الحفظ جاريا مجرى الفاعلين ؛ إذ كان الوجوب حاثّا على الفعل ، فكأنّه شريك الفاعل الحافظ ، كما قالوا في قوله : وَإِذْ واعَدْنا مُوسى البقرة : 51 ، فالوعد كان من اللّه والقبول من موسى ، وجعل القبول