مجمع البحوث الاسلامية
798
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
من النّظر » . وهذا مرويّ عن أبي العالية أيضا في وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ . وأمّا المفسّرون فلهم قولان : أحدهما : قول من خصّهما بالنّظر كالطّبريّ ، والطّبرسيّ والبيضاويّ في وجه ، والكاشانيّ والطّباطبائيّ قائلا : « المقابلة بين قوله : يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ ، و يَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ يعطي أنّ المراد بحفظ الفروج : سترها عن النّظر ، لا حفظها عن الزّنى واللّواطة - كما قيل - [ وذكر الرّواية عن الإمام الصّادق عليه السّلام ثمّ قال : ] ، وعلى هذا يمكن أن تتقيّد أولى الجملتين بثانيهما ، ويكون مدلول الآية هو النّهي عن النّظر إلى الفروج والأمر بسترها » . الثّاني : قول من عمّمها للوطء والنّظر ، أو احتملهما جميعا مثل ابن عبّاس حيث قال : « عن الحرام » والماورديّ ، والطّوسيّ ، والزّمخشريّ ، وابن عطيّة ، وأبو حيّان ، والبروسويّ ، والقاسميّ ، والمراغيّ ، والفخر الرّازيّ حيث ردّ قول أبي العالية قائلا : « وهذا ضعيف ، لأنّه تخصيص من غير دلالة . والّذي يقتضيه الظّاهر أن يكون المعنى حفظها عن سائر ما حرّم اللّه عليه من الزّنى والمسّ والنّظر . وعلى أنّه إن كان المراد حظر النّفس ، فالمسّ والوطء أيضا مرادان بالآية ؛ إذ هما أغلظ من النّظر . فلو نصّ اللّه تعالى على النّظر لكان في مفهوم الخطاب ما يوجب حظر الوطء والمسّ ، كما أنّ قوله : فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ الإسراء : 23 ، اقتضى حظر ما فوق ذلك من السّبّ والضّرب » . وحيث عمّم الحكم للمسّ أيضا ، إضافة إلى الوطء والنّظر ، وقال : « فالمراد به عمّا لا يحلّ » ، فيمكن أن يعدّ قولا ثالثا ، ولعلّه مراد كلّ من قال : « عن الحرام » كابن عبّاس وغيره . وقد نقل أبو حيّان قول الزّمخشريّ وأبي العالية وقال ردّا على أبي العالية : « ولا يتعيّن ما قاله ، بل حفظ الفروج يشمل النّوعين » . وعندنا أنّ في الآيتين نكتة لطيفة ربّما تخصّص حفظ الفروج فيهما بالوطء الحرام ، فيكون قولا ثالثا أو رابعا : وهي أنّ اللّه لمّا أمر فيهما الرّجال والنّساء بغضّ البصر تلاه بما يترتّب على النّظر مباشرة من تحريك الغريزة الجنسيّة ، فهو بمنزلة التّعليل لهذا الأمر ، أي غضّوا أبصاركم لما ينشأ عن النّظر من الحرام في الفروج ، فبين الأمرين ملازمة ، كما قال الشّاعر : ز دست ديده ودل هر دو فرياد * كه هرچه ديده بيند دل كند ياد وكأنّ الشّربينيّ أشار إلى هذه النّكتة بقوله : « أي دائما لا يتّبعونها بشهوتها » ، لاحظ نصّ فضل اللّه ذيل ( 23 ) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ . 2 - طرح الزّمخشريّ سؤالا في الآيتين : كيف دخل « من » في غضّ البصر دون حفظ الفروج ؟ وأجاب بأنّه للدّلالة على أنّ أمر النّظر أوسع ، فيجوز النّظر إلى شعور المحارم وصدورهنّ وثديهنّ وغيرها من أعضائهنّ ، وكذلك يجوز في الجواري المستعرضات للبيع النّظر إلى وجههنّ وكفّهنّ وقدمهنّ - في إحدى الرّوايتين - وأمّا أمر