مجمع البحوث الاسلامية

753

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الكريمين الحافظين ، وأنّ مدادهما الرّيق وقلمهما اللّسان ، وليس عليهما شيء أمرّ من بقايا الطّعام بين الأسنان » ولا يبعد أن يوكّل بالعبد ملائكة سوى هذين الملكين ، كلّ منهم يحفظه من أذى ، كما جاء في الرّوايات . ( 3 : 44 ) الآلوسيّ : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً من الملائكة ، وهم الكرام الكاتبون المذكورون في قوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ الانفطار : 10 و 11 ، أو المعقّبات المذكورة في قوله سبحانه : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الرّعد : 11 ، وقيل : المراد ما يشمل الصّنفين ، ويقدّر المحفوظ : الأعمال والأنفس والأعمّ . وعن قتادة يحفظون العمل والرّزق والأجل . والّذي ذهب إليه أكثر المفسّرين المعنى الأوّل في « الحفظة » ، وهم عند بعض يكتبون الطّاعات والمعاصي والمباحات بأسرها ، كما يشعر بذلك : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها الكهف : 49 . وجاء في الأثر تفسير الصّغيرة بالتّبسّم ، والكبيرة بالضّحك و ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ق : 18 ، وقال آخرون : لا يكتبون المباحات إذ لا يترتّب عليها شيء . [ وذكر حديث ابن عبّاس كما سبق عن الفخر الرّازيّ ثمّ قال : ] والمشهور أنّهما على الكتفين ، وقيل : على الذّقن ، وقيل : في الفم يمينه ويساره . واللّازم الإيمان بهما دون تعيين محلّهما . والبحث عن كيفيّة كتابتهما ، وظواهر الآيات تدلّ على أنّ اطّلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال كقوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلخ ، وقوله سبحانه : يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الانفطار : 12 ، وأمّا على صفات القلوب كالإيمان والكفر مثلا ، فليس في الظّواهر ما يدلّ على اطّلاعهم عليها ، والأخبار بعضها يدلّ على الاطّلاع كخبر : « إذا همّ العبد بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة » فإنّ الهمّ من أعمال القلب كالإيمان والكفر ، وبعضها يدلّ على عدم الاطّلاع كخبر : « إذا كان يوم القيامة يجاء بالأعمال في صحف محكمة فيقول اللّه تعالى : اقبلوا هذا وردّوا هذا ، فتقول الملائكة : وعزّتك ما كتبنا إلّا ما عمل ، فيقول سبحانه : إنّ عمله كان لغيري وإنّي لا أقبل اليوم إلّا ما كان لوجهي » . وفي رواية مرسلة لابن المبارك : « إنّ الملائكة يرفعون أعمال العبد من عباد اللّه تعالى فيستكثرونه ويزكّونه حتّى يبلغوا به حيث شاء اللّه تعالى من سلطانه ، فيوحي اللّه تعالى إليهم : إنّكم حفظة عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه ، إنّ عبدي هذا لم يخلص في عمله فاجعلوه في سجّين » الحديث . والقائل : بأنّهم لا يكتبون إلّا الأعمال الظّاهرة يقول : معنى - كتبت - في حديث « الهمّ بالحسنة » ثبتت عندنا وتحقّقت ، لا كتبت في صحف الملائكة . والقائل : بأنّهم يكتبون الأعمال القلبيّة يقول : باستثناء الرّياء ، فيكتبون العمل دونه ويخفيه اللّه تعالى عنهم ليبطل سبحانه به عمل المرائي بعد كتابته ، إمّا في الآخرة أو في الدّنيا ، زيادة في تنكيله وتفظيع حاله ، ولعلّ هذا كما يفعل به يوم القيامة من ردّه إلى النّار بعد تقريبه من الجنّة . [ إلى أن قال : ]