مجمع البحوث الاسلامية
754
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
واختلفوا في أنّ الحفظة هل يتجدّدون كلّ يوم وليلة أم لا ؟ فقيل : إنّهم يتجدّدون وملائكة اللّيل غير ملائكة النّهار دائما إلى الموت . وقيل : إنّ ملائكة اللّيل يذهبون فتأتي ملائكة النّهار ، ثمّ إذا جاء اللّيل ذهبوا ونزل ملائكة اللّيل الأوّلون لا غيرهم ، وهكذا . وقيل : إنّ ملائكة الحسنات يتجدّدون دون ملائكة السّيّئات ، وهو الّذي يقتضيه حسن الظّنّ باللّه تعالى . واختلف في مقرّهم بعد موت المكلّف ، فقيل : يرجعون مطلقا إلى معابدهم في السّماء ، وقيل : يبقون حذاء قبر المؤمن يستغفرون له حتّى يقوم من قبره . وصحّح غير واحد أنّ كاتب الحسنات لا ينحصر في واحد ، لحديث رأيت كذا وكذا ، يبتدرونها أيّهم يكتبها أوّل . والحكمة في هؤلاء الحفظة أنّ المكلّف إذا علم أنّ أعماله تحفظ عليه وتعرض على رؤوس الأشهاد ، كان ذلك أزجر له عن تعاطي المعاصي والقبائح ، وأنّ العبد إذا وثق بلطف سيّده واعتمد على ستره وعفوه ، لم يحتشم منه احتشامه من خدمه المطّلعين عليه . وقول الإمام : يحتمل أن تكون الفائدة في الكتابة أن توزن تلك الصّحائف يوم القيامة ، لأنّ وزن الأعمال غير ممكن بخلاف وزن الصّحائف ، فإنّه ممكن ، ليس بشيء ، كما لا يخفى ، والقول بوزن الصّحائف أنفسها قول لبعضهم . ( 7 : 175 ) رشيد رضا : وأمّا إرسال الحفظة على النّاس ، فمعناه إرسالهم مراقبين عليهم من حيث لا يشعرون - كمراقبة رجال الشّرطة السّرّيّة في حكومات عصرنا - محصين لأعمالهم بكتابتها وحفظها في الصّحف الّتي تنشر يوم الحساب ، وهي المرادة بقوله تعالى : وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ التّكوير : 10 ، وهؤلاء الحفظة هم الملائكة الّذين قال اللّه تعالى فيهم : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ الانفطار : 10 - 12 . ولم يرد في كلام اللّه وكلام رسوله بيان تفصيليّ لصفة هذه الكتابة ، فنؤمن بها كما نؤمن بكتابة اللّه تعالى لمقادير السّماوات والأرض ، ولا نتحكّم فيها بآرائنا ، وأمثل ما أوّلت به : أنّها عبارة عن تأثير الأعمال في النّفس ، وأنّه يكون بفعل الملائكة . وقيل : إنّ الحفظة من الملائكة غير الكاتبين للأعمال ، وهم المعقّبات ، في قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ الرّعد : 11 . قيل : إنّهم ملائكة يحفظونه من الجنّ والشّياطين ، وقيل : من كلّ ضرر يكون عرضة له لم يكن مقدّرا أن يصيبه ، فإذا جاء القدر تخلّوا عنه . ولكن لم يصحّ في ذلك شيء يعتدّ به . [ إلى أن قال : ] وليس عندنا من الأحاديث الصّحاح في هذه المسألة إلّا حديث أبي هريرة في الصّحيحين وغيرهما مرفوعا « يتعاقبون فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار ، يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثمّ يعرج الّذين باتوا فيكم ، فيسألهم ربّهم وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلّون وأتيناهم وهم يصلّون » . وروي بلفظ « والملائكة يتعاقبون فيكم » بواو وبغير واو ، لكن لم يرد ذلك في تفسير آية الرّعد . فإذا