مجمع البحوث الاسلامية

751

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الوجه الأوّل : قال المتأخّرون منهم : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ ، ومن جملة ذلك القهر أنّه خلط الطّبائع المتضادّة ، ومزج بين العناصر المتنافرة ، فلمّا حصل بينها امتزاج استعدّ ذلك الممتزج بسبب ذلك الامتزاج ، لقبول النّفس المدبّرة ، والقوى الحسّيّة والحركيّة والنّطقيّة ، فقالوا : المراد من قوله : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً : تلك النّفوس والقوى ، فإنّها هي الّتي تحفظ تلك الطّبائع المقهورة على امتزاجاتها . والوجه الثّاني : وهو قول بعض القدماء : أنّ هذه النّفوس البشريّة والأرواح الإنسانيّة مختلفة بجواهرها متباينة بماهيّاتها ، فبعضها خيّرة وبعضها شرّيرة ، وكذا القول في الذّكاء والبلادة والحرّيّة والنّذالة والشّرف والدّناءة وغيرها من الصّفات ، ولكلّ طائفة من هذه الأرواح السّفليّة روح سماويّ هو لها كالأب الشّفيق والسّيّد الرّحيم ، يعينها على مهمّاتها في يقظاتها ومناماتها ، تارة على سبيل الرّؤيا ، وأخرى على سبيل الإلهامات ، فالأرواح الشّرّيرة لها مبادئ من عالم الأفلاك ، وكذا الأرواح الخيّرة ، وتلك المبادئ تسمّى في مصطلحهم : بالطّباع التّامّ ، يعني تلك الأرواح الفلكيّة في تلك الطّبائع والأخلاق تامّة كاملة ، وهذه الأرواح السّفليّة المتولّدة منها أضعف منها ، لأنّ المعلول في كلّ باب أضعف من علّته ، ولأصحاب الطّلسمات والعزائم الرّوحانيّة في هذا الباب كلام كثير . والقول الثّالث : النّفس المتعلّقة بهذا الجسد . لا شكّ في أنّ النّفوس المفارقة عن الأجساد لمّا كانت مساوية لهذه في الطّبيعة والماهيّة ، فتلك النّفوس المفارقة تميل إلى هذه النّفس بسبب ما بينهما من المشاكلة والموافقة ، وهي أيضا تتعلّق بوجه ما بهذا البدن ، وتصير معاونة لهذه النّفس على مقتضيات طبيعتها ، فثبت بهذه الوجوه الثّلاثة أنّ الّذي جاءت الشّريعة الحقّة به ليس للفلاسفة أن يمتنعوا عنها ، لأنّ كلّهم قد أقرّوا بما يقرب منه ، وإذا كان الأمر كذلك كان إصرار الجهّال منهم على التّكذيب باطلا ، واللّه أعلم . ( 13 : 14 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 7 : 127 ) القرطبيّ : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي من الملائكة . والإرسال حقيقته : إطلاق الشّيء بما حلّ من الرّسالة ، فإرسال الملائكة بما حملوا من الحفظ الّذي أمروا به ، كما قال : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ الانفطار : 10 ، أي ملائكة تحفظ أعمال العباد وتحفظهم من الآفات . والحفظة : جمع حافظ ، مثل الكتبة والكاتب . ويقال : إنّهما ملكان باللّيل وملكان بالنّهار ، يكتب أحدهما الخير والآخر الشّرّ ، وإذا مشى الإنسان يكون أحدهما بين يديه والآخر وراءه ، وإذا جلس يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله ، لقوله تعالى : عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ . ويقال : لكلّ إنسان خمسة من الملائكة : اثنان باللّيل ، واثنان بالنّهار ، والخامس لا يفارقه ليلا ولا نهارا . ( 7 : 6 ) أبو حيّان : حَفَظَةً : جمع حافظ ، وهو جمع منقاس لفاعل ، وصفا مذكّرا ، صحيح اللّام عاقلا ، وقلّ فيما لا يعقل . [ إلى أن نقل كلام بعض المفسّرين في أنّ « الحفظة » هم الملائكة الكاتبون للأعمال ، ثمّ قال : ] والمكتوب : الحسنة والسّيّئة ، وقيل : الطّاعات