مجمع البحوث الاسلامية

750

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ذلك أزجر لهم عن القبيح ، وأبعد من السّوء . ( 2 : 25 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 314 ) ، والنّسفيّ ( 2 : 16 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 425 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 395 ) ، وشبّر ( 2 : 269 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2349 ) . ابن عطيّة : حَفَظَةً جمع حافظ ، مثل كاتب وكتبة ، والمراد بذلك : الملائكة الموكّلون بكتب الأعمال . وروي أنّهم الملائكة الّذين قال فيهم النّبيّ عليه السّلام ؛ « تتعاقب فيكم ملائكة باللّيل وملائكة بالنّهار » قاله السّدّيّ وقتادة . وقال بعض المفسّرين : حَفَظَةً يحفظون الإنسان من كلّ شيء حتّى يأتي أجله ؛ والأوّل أظهر . ( 2 : 300 ) الفخر الرّازيّ : [ في الآية بحوث : ] البحث الأوّل : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً فالمراد : أنّ من جملة قهره لعباده إرسال الحفظة عليهم ، وهؤلاء الحفظة هم المشار إليهم بقوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ، وقوله : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ق : 18 . وقوله : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ . واتّفقوا على أنّ المقصود من حضور هؤلاء الحفظة : ضبط الأعمال . ثمّ اختلفوا ، فمنهم من يقول : إنّهم يكتبون الطّاعات والمعاصي والمباحات بأسرها ، بدليل قوله تعالى : ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها الكهف : 49 . وعن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما أنّ مع كلّ إنسان ملكين : أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره ، فإذا تكلّم الإنسان بحسنة كتبها من على اليمين ، وإذا تكلّم بسيّئة قال من على اليمين لمن على اليسار : انتظره لعلّه يتوب منها ، فإن لم يتب كتب عليه . والقول الأوّل أقوى ، لأنّ قوله تعالى : وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً يفيد حفظة الكلّ ، من غير تخصيص . البحث الثّاني : أنّ ظاهر هذه الآيات يدلّ على أنّ اطّلاع هؤلاء الحفظة على الأقوال والأفعال ، أمّا على صفات القلوب وهي العلم والجهل ، فليس في هذه الآيات ما يدلّ على اطّلاعهم عليها . أمّا في الأقوال ، فلقوله تعالى : ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ، وأمّا في الأعمال فلقوله تعالى : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ ، فأمّا الإيمان والكفر والإخلاص والإشراك ، فلم يدلّ الدّليل على اطّلاع الملائكة عليها . البحث الثّالث : ذكروا في فائدة جعل الملائكة موكّلين على بني آدم وجوها : الأوّل : أنّ المكلّف إذا علم أنّ الملائكة موكّلون به يحصون عليه أعماله ، ويكتبونها في صحائف ، تعرض على رؤوس الأشهاد في مواقف القيامة ، كان ذلك أزجر له عن القبائح . الثّاني : يحتمل في الكتابة أن يكون الفائدة فيها أن توزن تلك الصّحائف يوم القيامة ، لأنّ وزن الأعمال غير ممكن ، أمّا وزن الصّحائف فممكن . الثّالث : يفعل اللّه ما يشاء ويحكم ما يريد . ويجب علينا الإيمان بكلّ ما ورد به الشّرع ، سواء عقلنا الوجه فيه أو لم نعقل ، فهذا حاصل ما قاله أهل الشّريعة . وأمّا أهل الحكمة فقد اختلفت أقوالهم في هذا الباب على وجوه :