مجمع البحوث الاسلامية

732

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

غريبة ، محتفظة بمواهبها العظيمة وخصائصها القوميّة ، الّتي كان من مظاهرها أن اصطفى خاتم الأنبياء منها . وأن نزل آخر كتاب سماويّ بها مصدّقا لما قبله ومهيمنا عليه . وأن حملت عبء الدّعوة إلى اللّه ونشر رسالته المتمّمة لما سبقها ، والّتي بقيت نقيّة صافية كما هي في منبعها الأوّل ، الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، تنزيل من حكيم حميد . وأن ترشّحت بذلك لتكون خير أمّة أخرجت للنّاس ، إن هي قامت بما حملها إيّاه القرآن من ذلك العبء ، ودعت إلى الخير ، وأمرت بالمعروف ، ونهت عن المنكر . نقول هذا ونحن نعرف أنّ هناك بعض روايات تروى عن بعض آيات وكلمات وحروف مختلف عليها في القرآن . وأنّ بعض المستشرقين والمبشّرين تقوّلوا بعض الأقوال في صدد ذلك . غير أنّ هذا وذاك لا يمسّ جوهرا ، وليس من شأنه أن ينقض المعجزة الرّبّانيّة العظمى . وهو من الضّآلة والقلّة إلى درجة لا تكاد تكون شيئا بالنّسبة للمجموع ، كما أنّه لا يثبت على النّقد والتّمحيص ، وهناك مستشرقون منصفون زيّفوا بقوّة الأقوال الصّادرة عن الهوى والغرض والحقد والتّعصّب . ( 4 : 126 ) مغنيّة : المراد ب ( الذّكر ) : القرآن . وقيل : إنّ ضمير ( له ) يعود إلى محمّد صلّى اللّه عليه وآله ، وإنّ اللّه يحفظه من أعدائه ، وهذا خلاف ظاهر الآية ، فيتعيّن إعادة الضّمير إلى القرآن . وتسأل : من أيّ شيء يحفظ اللّه القرآن ؟ فإن كان المراد أنّ اللّه يحفظه من التّحريف - كما قال أكثر المفسّرين - فبالأمس القريب طبعت إسرائيل ألوف النّسخ من القرآن ، وحرّفت ما اشتهت من الآيات ، منها الآية ( 85 ) من سورة آل عمران الّتي صارت في قرآن إسرائيل : « ومن يبتغ غير الاسلام دينا يقبل منه » . وإن كان المراد بالحفظ أنّه لا أحد يستطيع الطّعن فيه ، فهذا خلاف الواقع ؟ وذكر الرّازيّ والطّبرسيّ عددا من الأجوبة ، ولكنّها غير مقنعة . والّذي نراه أنّ المراد بحفظ القرآن : أنّ كلّ ما فيه هو حقّ ثابت وراسخ مدى الأزمان ، لا يمكن ردّه والطّعن فيه بالحجّة ، بل كلّما تقدّمت العقول والعلوم ظهرت أدلّة جديدة على صدق القرآن وعظمته . وهذا المعنى الّذي فسّرنا فيه حفظ القرآن تدلّ عليه أو تشعر به الآية وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت : 42 . ( 4 : 468 ) الطّباطبائيّ : صدر الآية مسوق سوق الحصر ، وظاهر السّياق أنّ الحصر ناظر إلى ما ذكر من ردّهم القرآن بأنّه من أهذار الجنون ، وأنّه صلّى اللّه عليه وآله مجنون لا عبرة بما صنع ولا حجر . ومن اقتراحهم أن يأتيهم بالملائكة ليصدّقوه في دعوته ، وأنّ القرآن كتاب سماويّ حقّ . والمعنى - على هذا واللّه أعلم - أنّ هذا ( الذّكر ) لم تأت به أنت من عندك حتّى يعجزوك ويبطلوه بعنادهم وشدّة بطشهم وتتكلّف لحفظه ثمّ لا تقدر ، وليس نازلا من عند الملائكة حتّى يفتقر إلى نزولهم وتصديقهم إيّاه ، بل نحن أنزلنا هذا الذّكر إنزالا تدريجيّا ، وإنّا له لحافظون