مجمع البحوث الاسلامية

733

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بما له من صفة الذّكر ، بما لنا من العناية الكاملة به . فهو ذكر حيّ خالد مصون من أن يموت وينسى من أصله ، مصون من الزّيادة عليه بما يبطل به كونه ذكرا ، مصون من النّقص كذلك ، مصون من التّغيير في صورته وسياقه ؛ بحيث يتغيّر به صفة كونه ذكرا للّه ، مبيّنا لحقائق معارفه . فالآية تدلّ على كون كتاب اللّه محفوظا من التّحريف بجميع أقسامه ، من جهة كونه ذكرا للّه سبحانه ، فهو ذكر حيّ خالد . ونظير الآية في الدّلالة على كون الكتاب العزيز محفوظا بحفظ اللّه ، مصونا من التّحريف والتّصرّف بأيّ وجه كان ، من جهة كونه ذكرا له سبحانه ، قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ * لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ فصّلت : 41 ، 42 . وقد ظهر بما تقدّم أنّ اللّام في ( الذّكر ) للعهد الذّكريّ ، وأنّ المراد بالوصف لَحافِظُونَ هو الاستقبال ، كما هو الظّاهر من اسم الفاعل ، فيندفع به ما ربّما يورد على الآية أنّها لو دلّت على نفي التّحريف من القرآن ، لأنّه ذكر ، لدلّت على نفيه من التّوراة والإنجيل أيضا ، لأنّ كلّا منهما ذكر ، مع أنّ كلامه تعالى صريح في وقوع التّحريف فيهما . وذلك أنّ الآية بقرينة السّياق إنّما تدلّ على حفظ الذّكر الّذي هو القرآن بعد إنزاله إلى الأبد ، ولا دلالة فيها على علّيّة الذّكر للحفظ الإلهيّ ، ودوران الحكم مداره . [ ثمّ أطال الكلام في عدم تحريف القرآن فلاحظ . ] ( 12 : 101 ) عبد الكريم الخطيب : [ نحو بعض المتقدّمين في معنى الحفظ وأضاف : ] والسّؤال هنا : لم وكل اللّه سبحانه وتعالى حفظ الكتب السّماويّة السّابقة إلى أهلها ، ولم يتولّ سبحانه وتعالى حفظها ، وهي من كلماته ، كما تولّى ذلك سبحانه ، بالنّسبة للقرآن الكريم ؟ والجواب على هذا ، واللّه أعلم : أوّلا : أنّ الكتب السّماويّة السّابقة مرادة لغاية محدودة ، ولوقت محدود ؛ وذلك إلى أن يأتي القرآن الكريم ، الّذي هو مجمع هذه الكتب ، والمهيمن عليها . وهو بهذا التّقدير الرّسالة السّماويّة إلى الإنسانيّة كلّها في جميع أوطانها وأزمانها . فلو أنّ الكتب السّماويّة السّابقة ، كان لها هذا الحفظ من اللّه سبحانه ، لما دخلها هذا التّحريف والتّبديل ، ومن ثمّ لم يكن للقرآن الكريم هيمنة عليها ، ولم يكن ناسخا لها . الأمر الّذي أراد اللّه سبحانه وتعالى للقرآن الكريم أن يجيء له . وثانيا : هذا التّبديل والتّحريف الّذي أدخله أهل الكتب السّابقة على كتبهم ، لا يدخل منه شيء على آيات اللّه وكلماته . كما لم يدخل شيء من ذلك على آياته الكونيّة ، الّتي يغوى بها الغاوون ، وينحرف بها المنحرفون . وكما لا يدخل شيء من النّقص على ذاته الكريمة ، أو صفاته وكمالاته ، إذا جدّف المجدفون على اللّه ، ونظروا إلى ذاته وصفاته بعيون مريضة ، وقلوب فاسدة ، وعقول سقيمة . ( 7 : 218 )