مجمع البحوث الاسلامية
719
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
محفوظة لا تبطل بالموت ولا تفسد ، حتّى إذا أحيا اللّه الأبدان أرجع النّفوس إليها ، فكان الإنسان هو الإنسان الدّنيويّ بعينه وشخصه ، ثمّ يجزيه بما يقتضيه أعماله المحفوظة عليه من خير أو شرّ . ويؤيّد ذلك كثير من الآيات الدّالّة على حفظ الأشياء ، كقوله تعالى : قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ألم السّجدة : 11 ، وقوله : اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ الزّمر : 42 . ولا ينافي هذا الوجه ظاهر آية الانفطار السّابقة ، من أنّ حفظ الملائكة هو الكتابة ، فإنّ حفظ نفس الإنسان أيضا من الكتابة على ما يستفاد من قوله : إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ الجاثية : 29 ، وقد تقدّمت الإشارة إليه . ويندفع بهذا الوجه الاعتراض على ما استدلّ به على المعاد من إطلاق القدرة ، كما سيجيء ، ومحصّله أنّ إطلاق القدرة إنّما ينفع فيما كان ممكنا ، لكن إعادة الإنسان بعينه محال ، فإنّ الإنسان المخلوق ثانيا مثل الإنسان الدّنيويّ المخلوق أوّلا لا شخصه الّذي خلق أوّلا ، ومثل الشّيء غير الشّيء لا عينه . وجه الاندفاع أنّ شخصيّة الشّخص من الإنسان بنفسه لا ببدنه ، والنّفس محفوظة فإذا خلق البدن وتعلّقت به النّفس ، كان هو الإنسان الدّنيويّ بشخصه ، وإن كان البدن بالقياس إلى البدن مع الغضّ عن النّفس ، مثلا لا عينا . ( 20 : 258 ) مكارم الشّيرازيّ : ولنرى لأيّ شيء كان هذا القسم : إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ يحفظ عليه أعماله ، وتسجّل كلّ أفعاله ليوم الحساب ، وكما جاء في الآيات : 10 - 12 ، من سورة الانفطار : وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ . فلا تظنّوا بأنّكم بعيدون عن الأنظار ، بل أينما تكونوا فثمّة عليكم ملائكة مأمورين يسجّلون كلّ ما يبدر منكم . وهذا ما له الأثر البالغ في عمليّة إصلاح وتربية الإنسان . مع أنّ الآية لم تحدّد هويّة « الحافظ » ، ولكنّ الآيات الأخرى تبيّن بأنّ « الحفظة » هم الملائكة وأنّ « المحفوظ » هو أعمال الإنسان ، من الطّاعات والمعاصي . وقيل : يراد بها حفظ الإنسان من الحوادث والمهالك ، ولولا ذلك لما خرج الإنسان من الدّنيا بالموت الطّبيعيّ ، والأطفال بالخصوص . أو المراد هو : حفظ الإنسان من وساوس الشّيطان ، ولولا هذا الحفظ لما سلم أحد من وساوس شياطين الجنّ والإنس . وبلحاظ ما تتطرّق إليه الآيات التّالية حول : المعاد والحساب الإلهيّ ، يكون التّفسير الأوّل أقرب من غيره وأنسب ، ولو أنّ الجمع بينها لا يبعد عن احتمال إرادة الآية به . والعلاقة ما بين المقسوم به وما أقسم له وثيقة وعضويّة ؛ حيث إنّ السّماء العالية والنّجوم الّتي تتحرّك في مسارات منظّمة ، دليل على وجود النّظم والحساب الدّقيق في عالم الوجود ، فكيف يمكن أن نتصوّر بأنّ أعمال الإنسان دون باقي الأشياء لا تخضع لهذه السّنّة ، لتبقى سائبة بلا ضبط وتسجيل ، وليس عليها من حافظ ؟ ! ! ( 20 : 99 )