مجمع البحوث الاسلامية

64

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وجدت مسّ الحمّى « النّهاية » . وقد نقل الطّبريّ ما روي من تفسير الكلمة بالقتل في آية آل عمران ، عن ابن عبّاس وغيره من الصّحابة . وقيّده الزّمخشريّ في « الأساس » بالقتل الذّريع ، بشاهد من الآية . وبيّن الرّاغب وجه إطلاق الحسّ على القتل ، فقال في « المفردات » : نقل الحسّ إلى القتل من قولهم : أحسّه بحسّي ، نحو : رعته وكبدته . ولمّا كان ذلك قد يتولّد منه القتل ، عبّر به عنه فقيل : حسسته . وبقي السّؤال عن اختصاص هذا الموقف بالحسّ في آية آل عمران المسؤول عنها ، مع كثرة مجيء « القتل » في القرآن . وقد أحصيت من مواضع استعماله في الفعل الثّلاثيّ ماضيا ومضارعا ، للمعلوم وللمجهول ، نحو سبع وسبعين مرّة ، وجاء الأمر من الثّلاثي عشر مرّات ، ومصدره عشر مرّات . و « القتلى » جمع قتيل . وجاء الفعل الرّباعيّ من « القتال » ماضيا ومضارعا وأمرا ، خمسا وخمسين مرّة ، والمصدر ثلاث عشرة مرّة . كما جاء فعل « التّقتيل » ماضيا ومضارعا ، أربع مرّات ، ومثله الفعل من « الاقتتال » . فلفت ذلك إلى فرق في الدّلالة بين القتل ، والحسّ وحيدة في القرآن . وتدبّر سياق آيات القتل ، على اختلاف صيغها ، يعطي دلالة العموم فيه ؛ إذ يقع على الفرد وعلى الجمع ، بالسّلاح أو بغير السّلاح ، كما في قتل الأولاد وأدا . وقد يستعمل ماضيه مبنيّا للمجهول ، دعاء عليه ، من المجاز كآيات : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ المدّثّر : 18 - 20 قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ عبس : 17 قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ ساهُونَ الذّاريات : 10 ، 11 قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ . . . البروج : 4 - 6 والقتل في هذه الآيات ، دعاء عليهم . فهل يكون الحسّ بدلالة خاصّة على استئصال الجمع بالسّلاح في موقعة حرب ومعركة قتال ؟ سياق الآية يعطيه ، ويؤنس إليه ما نقل ابن هشام في « السّيرة » عن الظّروف والأحوال الّتي لابست نزول الآية فيما كان من موقف المسلمين بين بدر وأحد . وقال ما نصّه : « الحسّ : الاستئصال . يقال : حسست الشّيء ، أي استأصلته بالسّيف أو بغيره ، قال جرير : تحسّهم السّيوف كما تسامى * حريق النّار في الأجم الحصيد ومعنى الاستئصال واضح في الشّاهد ، لكنّه ليس استئصالا لشيء بالسّيف أو بغيره ، بل هو استئصال للجمع بالسّيوف ، بصريح النّصّ . وكذلك الشّاهد الشّعريّ في تفسير ابن عبّاس ، ليس « الحسّ » فيه مطلق قتل ، وإنّما هو حسّ استئصال للأعداء بسيف محمّد ، عليه الصّلاة والسّلام . ( الإعجاز البيانيّ : 332 )