مجمع البحوث الاسلامية

564

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

التّعبيرات ، وفيه إيماء إلى حكمة التّشريع ، وهو التّخفيف والتّسهيل » . سادسا : ورد اسم الفاعل « حاضر » مفردا وجمعا ، ومذكّرا ومؤنّثا في الآيات ( 9 - 11 و 14 ) بمعنى القرب عامّة ، وبمعان أخرى خاصّة : فسّر في ( 9 ) لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ بالقرب من مكّة والمسجد الحرام كما تقدّم ، وبالقرب من البحر في ( 11 ) كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ ، واحتمل ابن عطيّة التّعظيم للقرية ، أي هي الحاضرة في قرى البحر ، وقال أبو حيّان : « فالتّقدير حاضرة قرى البحر ، أي يحضر أهل قرى البحر إليها لبيعهم وشرائهم وحاجتهم » ، وفسّر في الآيتين الأخريتين بما يلائم السّياق وللحال . فمعنى ( 10 ) تِجارَةً حاضِرَةً : إلّا أن تكون تجارة حاضرة يدا بيد تديرونها بينكم ، ومعنى ( 14 ) وَوَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً ووجدوا ما عملوا مكتوبا مثبتا . وفسّرها الزّمخشريّ في أحد قوليه بأنّهم وجدوا جزاء ما عملوا حاضرا ، وعقّب الطّبرسيّ قائلا : « فجعل وجود الجزاء كوجود الأعمال توسّعا » . وتعقّبه الآلوسيّ بأنّه « فيه ارتكاب خلاف الظّاهر ، لأنّ الكلام عليه تأسيس محض » . سابعا : وقعت ( 12 ) عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ جوابا للشّرط ، وفيها بحثان : 1 - المراد بالإحضار : الأعمال ، أي أعمال النّفس من الخير والشّرّ . وهل تحضر الأعمال ؟ قال الفخر الرّازيّ : « من المعلوم أنّ العمل لا يمكن إحضاره ، فالمراد إذن ما أحضرته في صحائفها ، وما أحضرته عند المحاسبة وعند الميزان من آثار تلك الأعمال ، والمراد ما أحضرت من استحقاق الجنّة والنّار » . الأظهر أنّ إحضار الأعمال الإتيان بها ، والتّقدير : علمت نفس ما وجدت حاضرا من عملها ، يقال : أحضرت الشّيء ، أي وجدته حاضرا ، نحو : أحمدته ، أي وجدته محمودا ، وهو معنى مجازيّ ؛ إذ الأعمال لا تبقى . قال الطّبرسيّ : « والمعنى أنّه لا يشذّ عنها شيء ، فكأنّها كلّها حاضرة » . 2 - لماذا أسند إحضار الأعمال إلى النّفس وهي تحضر بأمره تعالى ؟ وما معنى علمها بها ؟ قال أبو السّعود : « لأنّها لمّا عملتها في الدّنيا فكأنّها أحضرتها في الموقف . ومعنى علمها بها حينئذ أنّها تشاهدها على ما هي عليه في الحقيقة ، فإن كانت صالحة تشاهدها على صور أحسن ممّا كانت تشاهدها عليه في الدّنيا » . ثامنا : جاء اسم المفعول من « أحضر » مفردا في ( 15 ) ، وجمعا في ( 16 ) إلى ( 24 ) ، وفيها بحوث : 1 - فسّر في ( 15 ) تَجِدُ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً بأنّه مكتوب ، وموفّر ، ومشاهد ومعاين ، فتجد النّفس صحائف الحسنات والسّيّئات ، أو جزاء عملها من الثّواب والعقاب . ونصب ( محضرا ) على الحاليّة ، وصاحب الحال هو الضّمير المحذوف من صلة ( ما ) ، والعامل ( تجد ) ، والتّقدير : يوم تجد كلّ نفس ما عملته من خير محضرا . 2 - وفسّر في ( 16 ) فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ بأنّ الكافرين معذّبون ، ومدخلون ، ونازلون ، ومقيمون ، ومجموعون ، ومساقون ، ولا يغيبون ، وهي ألفاظ متقاربة المعنى . وغلط أبو حيّان حين ظنّ أنّ قوله : ( محضرون )