مجمع البحوث الاسلامية

45

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الدّنيا . ب - إنفاق الكافرين أموالهم حسرة عليهم ( 3 ) : 1 - تقدّم المعمول ( عليهم ) على عامله ( حسرة ) مفردا دون سائر الآيات ، وهذا يفيد إثبات الحسرة للكافرين وحصره وقصرهم عليهم ، ونفيه عمّن عداهم ، وهذا ما يعرف بالقضيّة المسوّرة عند المناطقة . وتقديم ما حقّه التّأخير في جميع مواضع القرآن ينبئ عن أمر خطير ، كما في هذه الآية ، لأنّها من سورة الأنفال الّتي نزلت بعد غزوة بدر ، فهي تنبئ عمّا سيكون ، وهو ما وقع في غزوة أحد ، فكانت أموال الكفّار الّتي أنفقوها للصّدّ عن سبيل اللّه عليهم حسرة . ويخبر قوله في نفس الآية : ثُمَّ يُغْلَبُونَ باندحارهم المذهل في فتح مكّة ، وهنا سكبوا العبرات ، وتجاذبوا الحسرات . 2 - وذكر المفسّرون أسباب كون أموالهم عليهم حسرة ، فقال الطّبريّ : « لأنّ أموالهم تذهب ولا يظفرون بما يأملون ويطمعون فيه من إطفاء نور اللّه » . واحتمل الماورديّ لذلك وجهين : « أحدهما : يكون إنفاقها عليهم حسرة وأسفا عليها . والثّاني : تكون خيبتهم فيما أمّلوه من الظّفر عليهم حسرة تحذّرهم بعدها » . وقال الزّمخشريّ : « تكون عاقبة إنفاقها ندما وحسرة ، فكأنّ ذاتها تصير ندما وتنقلب حسرة » . وقال الطّبرسيّ : « لا ينتفعون بذلك الإنفاق لا في الدّنيا ولا في الآخرة ، بل يكون وبالا عليهم » . ج - التّحسّر على التّفريط في جنب اللّه وفي السّاعة ( 6 و 7 ) . 1 - خاطب اللّه عباده المسرفين على أنفسهم في آيات ثلاث قبل ( 6 ) ، قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ . . . وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ الزّمر : 53 - 55 ، وأمرهم بالانقياد له ، وحذّرهم من إتيانهم العذاب بغتة ، وحينئذ يقول الإنسان : يا ندامتا على ما فرّطت في جنب اللّه . وأكّد في ( 7 ) خسران المكذّبين بلقائه ، وبيّن أنّهم يقولون حينما تأتي السّاعة بغتة : يا ندامتنا على ما فرّطنا في الدّنيا . وسياق الآيتين تخويف لمشركي مكّة بحلول يوم الجزاء بغتة ، لأنّهم كانوا سادرين في غيّهم ، ماضين في عمايتهم . وليس لمن ركب رأسه أنكى من تخويفه بعقاب مباغت ، وتقريعه بتفريط في حقّ اللّه أو حقّ نفس ، فجعل لأعماله غاية ومغيّا . 2 - نوديت الحسرة في هاتين الآيتين نداء تنبيه على المجاز ، والتّقدير كما قالوا : يا حسرة احضري فهذا أوانك ، فالتّنبيه للمخاطبين ، وهم أهل مكّة كما ذكرنا . 3 - الألف في ( يا حسرتي ) دعاء في الاستغاثة ، وهي منقلبة عن ياء المتكلّم ، أي يا حسرتي ، على الإضافة ، وبها قرئ . وقرئ أيضا ( يا حسرتاي ) بسكون الياء وفتحها ، و ( يا حسرتاه ) بهاء السّكت . 4 - ونداء الحسرة فيهما من المسرفين ، وفي ( 8 ) من اللّه تعالى على العباد كما يأتي . د - الحسرة على العباد ( 8 ) : 1 - المتّحسّر عليه هنا العباد الكافرون بقرينة ( يستهزؤن ) ، لأنّ العباد المؤمنين لا يستهزئون بالرّسل ، وفي الإطلاق : ( العباد ) هنا نكات ، ستأتي في « ع ب د » إن