مجمع البحوث الاسلامية
46
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
شاء اللّه . كما اختصّت الحسرة والحسرات بالكافرين في جميع المواضع ، سواء كانت الحسرة من اللّه عليهم أم من الرّسول أم من أنفسهم ؟ 2 - وقرّر النّحاة أنّ ( يا ) حرف نداء ، و ( حسرة ) منادى منكّر للتّكثير ، للمبالغة في الدّلالة على أنّ هذا زمان الحسرة والتّعجّب ، فليس فيه متحسّر ، بل هو نداء مجازيّ يراد به تنبيه المخاطب ، كما تقدّم في ( 6 و 7 ) . 3 - وذهب كثير من المفسّرين إلى أنّه نداء حقيقيّ ، والمتحسّر هو اللّه ، أو الملائكة ، أو الرّسل الثّلاثة ، أو الّذي جاء من أقصى المدينة ، أو المؤمنون ، أو الكافرون . والمتحسّر عليه الرّسل عامّة ، أو الرّسل الثّلاثة خاصّة ، أو النّفس . 4 - وقرئ بقراءتين أخريين : ( يا حسرة العباد ) ، من غير كلمة ( على ) ، على الإضافة إليهم لاختصاصها بهم ؛ من حيث إنّها موجّهة إليهم . والمراد بالمتحسّر عليه في هذه القراءة العباد مكذّبو الرّسل ، والمتحسّر هو غيرهم . و ( يا حسره على العباد ) بهاء ساكنة ، إجراء للوصل مجرى الوقف ، كأنّه تأوّه . ثالثا : وجاء منها ( حسرات ) : جمع حسرة ، مرّتين منكّرتين منصوبتين ؛ حالا أو مفعولا لأجله في ( 9 ) ، ومفعولا ثالثا ل ( يريهم ) أو حالا في ( 10 ) . وفيهما بحوث : 1 - ذهب المفسّرون قاطبة - عدا قليل منهم - إلى أنّ ( حسرات ) في ( 9 ) مفعول لأجله ، أي فلا تذهب نفسك عليهم للحسرات والغمّ ، وهو الأصحّ . وجوّز الزّمخشريّ أن يكون حالا ، وقال : « كأنّ كلّها صارت حسرات لفرط التّحسّر » ، وكذا ينبئ ظاهر كلام ابن عبّاس والطّبريّ . 2 - يفيد تقدّم المعمول ( عليهم ) على عامله ( حسرات ) ما أفاده في الآية ( 3 ) من عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ، ومنع الزّمخشريّ أن يتقدّم المتعلّق على المتعلّق به إذا كان مصدرا ، وتمحّل لذلك ، فجعل ( عليهم ) تارة صلة ( تذهب ) ، ومثّل بقولهم : هلك عليه حبّا ، ومات عليه حزنا ، وجعله بيانا للمتحسّر عليه تارة أخرى . ولكن لم يرد في السّماع : ذهب عليه ، كما في هلك عليه ومات عليه ، إلّا أن يضمّن الذّهاب هنا معنى الهلاك والموت ، وهذا يحتاج إلى تكلّف وتقدير ، وعدم التّقدير أولى من التّقدير ، وهو ما ذكرناه ، لأنّه يجوز تقديم معمول المصدر عليه إذا كان ظرفا ، وهو الأقرب والأصحّ . 3 - عدّ الزّمخشريّ والفخر الرّازيّ وغيرهما ( حسرات ) في ( 10 ) مفعولا ثالثا ل ( يريهم ) ، وكذا قال ابن عطيّة والبيضاويّ وأبو السّعود والآلوسيّ وغيرهم ، إلّا أنّهم اشترطوا على أن تكون الرّؤية قلبيّة ، وإذا كانت الرّؤية بصريّة فهو حال ؛ وهو وجه حسن . رابعا : وجاء منها ( حسير ) مرّة واحدة في ( 11 ) ، وهو في محلّ نصب حال من ( البصر ) ، أو من الضّمير في ( خاسئا ) . وفيه بحث : عدّه بعض « فعيلا » بمعنى « فاعل » ، وبعض « فعيلا » بمعنى « مفعول » ، فيدلّ قول الزّجّاج : « قد أعيا من قبل أن يرى في السّماء خللا » على أنّه فاعل ، ويدلّ قول ابن عبّاس : « عيّ كليل منقطع » على أنّه مفعول ، من قولهم :