مجمع البحوث الاسلامية

44

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

المقرّبين ، وإن لم يتقدّم لهم ذكر ، فهم - كما أخبر اللّه - لا يأنفون من عبادته ولا يكلّون عنها . واللّغة تصرّح بهذا المعنى أيضا ، وهو معنى مجازيّ ، كما تقدّم في الأصول اللّغويّة . 2 - بين ( يستكبرون ) و ( يستحسرون ) مناغمة وجرس ، فهما مزدوجان ومتناظران ، ولولا هذا الازدواج والتّناظر ، لاختلّت نغمة اللّفظين وتغيّر جرسهما ، فإن استعمل لفظ « يكابرون » أو « يتكبّرون » بدل ( يستكبرون ) - وهي ألفاظ بمعنى واحد - انعدم التّناسق بين اللّفظين . كما أنّه ليس في مادّة « ح س ر » - كما مرّ - « فاعل » و « تفعّل » بمعنى استحسر ، أي كلّ وضعف ، وهذا يكشف عن سرّ تناسب ألفاظ القرآن لفظا ومعنى ! 3 - وقال أبو السّعود : « صيغة « الاستفعال » المنبئة عن المبالغة في الحسور للتّنبيه على أنّ عباداتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ، ومع ذلك لا يستحسرون ، لا لإفادة نفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة » . وقال الآلوسيّ : « الظّاهر أنّ الاستحسار - حيث لا طلب كما هنا - أبلغ من الحسور ، فإنّ زيادة المبنى تدلّ على زيادة المعنى ، والمراد من الاتّحاد بينهما - الدّالّ عليه كلامهم - الاتّحاد في أصل المعنى » . وقال الطّباطبائيّ : « قوله : يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ الأنبياء : 20 ، بمنزلة التّفسير لقوله : وَلا يَسْتَحْسِرُونَ أي لا يأخذهم عيّ وكلال ، بل يسبّحون اللّيل والنّهار من غير فتور » . ثانيا : وجاء منها ( حسرة ) سبع مرّات : نكرة منصوبة ( 5 ) مرّات ؛ مفعولا ل ( يجعل ) في ( 2 ) ، وخبرا ل ( تكون ) في ( 3 ) ، ومنادى ب « يا » أداة النّداء ، والتّحسّر في ( 6 - 8 ) ، ومرّة مرفوعة ، خبر « انّه » في ( 4 ) ، ومرّة معرفة مجرورة بالإضافة في ( 5 ) . وفيها بحوث : أ - جعل ظنّ الكافرين حسرة في قلوبهم ( 2 ) : 1 - تعدّي لفظ الحسرة المجرّد من ( أل ) التّعريف ب ( على ) مفردا وجمعا في جميع الآيات ، إلّا في هذه الآية ، فقد جاء متعدّيا ب ( في ) ، فما السّرّ في ذلك ؟ في ( في ) هنا وجهان : الأوّل : ظرف ، كقوله : هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الفتح : 4 ، والثّاني : متعلّق بمحذوف نعت ل ( حسرة ) ، والتّقدير : ليجعل اللّه ذلك حسرة كائنة أو مكنونة في قلوبهم . والوجه الأوّل أقرب ، لأنّ عدم التّقدير أولى من التّقدير - كما قيل - والحسرة والحزن والنّدامة وأمثالها مركزها القلب . 2 - وتكمن أسباب الحسرة في قلوب الكافرين في الأمور التّالية ، كما ذكرها المفسّرون : الخيبة فيما أمّلوا من الموافقة لهم من المؤمنين ، وما فاتهم من عزّ الظّفر والغنيمة ، واعتقادهم الخاطئ أنّ من مات منهم ما كان له أن يموت لو قعد في بيته ، ونهي اللّه عن معتقدهم والأمر بخلافها ، وانتهاء المؤمنين بنهي اللّه والائتمار بأمره ، وغير ذلك . 3 - وقال الطّباطبائيّ : « أي ليعذّبهم بها ، فهو من قبيل وضع المغيّا موضع الغاية » ، وهو وجه وجيه ، غير أنّ الآية لم تذكر الغاية ، وظاهرها يدلّ على حسرتهم في