مجمع البحوث الاسلامية

278

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فلان ، أي أوصلت إليه ما ينتفع به . قلت : وهو في هذه الآية مراد بالمعنيين معا ، فإنّه تعالى يحبّ من خلقه إحسان بعضهم إلى بعض ، حتّى أنّ الطّائر في سجنك والسّنّور في دارك لا ينبغي أن تقصّر تعهّده بإحسانك ، وهو تعالى غنيّ عن إحسانهم ، ومنه الإحسان والنّعم والفضل والمنن . وهو في حديث جبريل بالمعنى الأوّل لا بالثّاني ، فإنّ المعنى الأوّل راجع إلى إتقان العبادة ومراعاتها بأدائها المصحّحة المكمّلة ، ومراقبة الحقّ فيها ، واستحضار عظمته وجلاله حالة الشّروع وحالة الاستمرار ، وهو المراد بقوله : « أن تعبد اللّه كأنّك تراه . . . » . وأرباب القلوب في هذه المراقبة على حالين : أحدهما : غالب عليه مشاهدة الحقّ فكأنّه يراه . ولعلّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أشار إلى هذه الحالة بقوله : « وجعلت قرّة عيني في الصّلاة » . وثانيهما : لا تنتهي إلى هذا ، لكن يغلب عليه أنّ الحقّ سبحانه مطّلع عليه ومشاهد له ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ الشّعراء : 218 ، 219 ، وقوله : إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ يونس : 61 . ( 10 : 166 ) البيضاويّ : ( والاحسان ) : إحسان الطّاعات ، وهو إمّا بحسب الكمّيّة كالتّطوّع بالنّوافل ، أو بحسب الكيفيّة ، كما قال عليه الصّلاة والسّلام : « الإحسان : أن تعبد . . . » . ( 1 : 567 ) نحوه أبو السّعود . ( 4 : 88 ) النّسفيّ : ( بالعدل ) بالتّسوية في الحقوق فيما بينكم وترك الظّلم ، وإيصال كلّ ذي حقّ إلى حقّه . ( والاحسان ) إلى من أساء إليكم ، أو هما الفرض والنّدب ، لأنّ الفرض لا بدّ من أن يقع فيه تفريط ، فيجبره النّدب . ( 2 : 297 ) أبو حيّان : [ اكتفى بنقل أقوال السّابقين ] ( 5 : 529 ) الشّربينيّ : [ ذكر عدّة أقوال وقال : ] وأصل العدل : المساواة في كلّ شيء من غير زيادة ولا نقصان ، فالعدل هو المساواة في المكافأة إن خيرا فخير وإن شرّا فشرّ . والإحسان : أن تقابل الخير بأكثر منه ، والشّرّ بأن تعفو عنه . ( 2 : 256 ) البروسويّ : [ طوّل الكلام في « العدل » ثمّ قال : ] ( والاحسان ) وأن تحسنوا الأعمال مطلقا ، لقوله عليه السّلام : « إنّ اللّه كتب الإحسان في كلّ شيء » ، ويدخل فيه العفو عن الجرائم والإحسان إلى من أساء ، والصّبر على الأوامر والنّواهي وأداء النّوافل ، فإنّ الفرض لا بدّ من أن يقع فيه تفريط فيجبره النّدب . [ ثمّ استشهد بروايات وقال : ] وأيضا الإحسان هو المشاهدة ، كما قال عليه السّلام : « الإحسان : أن تعبد اللّه . . . » وليست المشاهدة رؤية الصّانع بالبصر - وهو ظاهر - بل المراد بها حالة تحصل عند الرّسوخ في كمال الإعراض عمّا سوى اللّه ، وتمام توجّهه إلى حضرته ؛ بحيث لا يكون في لسانه وقلبه وهمّه غير اللّه . وسمّيت هذه الحالة المشاهدة لمشاهدة البصيرة إيّاه تعالى . . . وفي « التّأويلات النّجميّة » : ( الاحسان ) : أن تحسن