مجمع البحوث الاسلامية

243

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أنّه تكلّف لا يحتاج إليه ، لأنّ الثّواب والعقاب الأخرويّين لا يتعدّيان ، وهما المراد هنا . وقيل : اللّام للنّفع كالأولى لكن على سبيل التّهكّم ، وتعميم الإحسان ومقابله بحيث يشملان المتعدّي واللّازم ، هو الّذي استظهره بعض المحقّقين ، وفسّر الإحسان بفعل ما يستحسن له ولغيره والإساءة بضدّ ذلك ، وقال : إنّه أنسب وأتمّ ، ولذا قيل : إنّ تكرير الإحسان في النّظم الكريم دون الإساءة إشارة إلى أنّ جانب الإحسان أغلب ، وأنّه إذا فعل ينبغي تكراره ، بخلاف ضدّه ، وجاء عن عليّ كرّم اللّه وجهه . [ وذكر الحديث ] ووجه مناسبتها لما قبلها ، على ما قال القطب : إنّه لمّا عصوا سلّط اللّه تعالى عليهم من قصدهم بالنّهب والأسر ، ثمّ لمّا تابوا وأطاعوا حسنت حالهم . فظهر أنّ إحسان الأعمال وإساءتها مختصّ بهم ، والآية تضمّنت ذلك . وفيها من التّرغيب بالإحسان والتّرهيب من الإساءة ما لا يخفى ، فتأمّل . ( 15 : 19 ) القاسميّ : إِنْ أَحْسَنْتُمْ . . . بمثابة التّعليل لما قبله ، أي فعلنا ذلك لتعلموا أنّكم إن أحسنتم توبتكم وأعمالكم ، أحسنتم لأنفسكم ، بإبقاء الغلبة لها والإمداد بالأموال والبنين وتكثير النّفير ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها أي فإساءتكم ضارّة لها ، بغلبة الأعداء وسلب الأموال والبنين والنّفير . ( 10 : 3903 ) نحوه عزّة دروزة ( 3 : 219 ) ، والمراغيّ ( 15 : 14 ) . سيّد قطب : القاعدة الّتي لا تتغيّر في الدّنيا وفي الآخرة ، والّتي تجعل عمل الإنسان كلّه له ، بكلّ ثماره ونتائجه ، وتجعل الجزاء ثمرة طبيعيّة للعمل ، منه تنتج ، وبه تتكيّف ، وتجعل الإنسان مسؤولا عن نفسه ، إن شاء أحسن إليها ، وإن شاء أساء ، لا يلومنّ إلّا نفسه حين يحقّ عليه الجزاء . ( 4 : 2214 ) الطّباطبائيّ : وفي قوله في الآية التّالية : إِنْ أَحْسَنْتُمْ . . . إشعار بل دلالة بمعونة السّياق أنّ هذه الواقعة وهي ردّ الكرّة لبني إسرائيل على أعدائهم ، إنّما كانت لرجوعهم إلى الإحسان ، بعد ما ذاقوا وبال إساءتهم قبل ذلك ، كما أنّ إنجاز وعد الآخرة إنّما كان لرجوعهم ثانيا إلى الإساءة بعد رجوعهم هذا إلى الإحسان . اللّام في ( لأنفسكم ) و ( فلها ) للاختصاص ، أي أنّ كلّا من إحسانكم وإساءتكم يختصّ بأنفسكم دون أن يلحق غيركم ، وهي سنّة اللّه الجارية ، إنّ العمل يعود أثره وتبعته إلى صاحبه إن خيرا وإن شرّا ، فهو كقوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ البقرة : 141 . فالمقام مقام بيان أنّ أثر العمل لصاحبه خيرا كان أو شرّا ، وليس مقام بيان أنّ الإحسان ينفع صاحبه والإساءة تضرّه ، حتّى يقال : وإن أسأتم فعليها ، كما قيل : لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة : 286 . فلا حاجة إلى ما تكلّفه بعضهم أنّ اللّام في قوله : وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها بمعنى « على » ، وقول آخرين : إنّها بمعنى « إلى » لأنّ الإساءة تتعدّى بها ، يقال : أساء إلى فلان ويسيء إليه إساءة ، وقول آخرين : إنّها للاستحقاق ، كقوله : وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ . *