مجمع البحوث الاسلامية
177
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عِنْدِ اللَّهِ وأنّه إذا كان اللّه تعالى قد أضاف الخير إلى نفسه ، وأضاف الشّرّ إلى الإنسان ، فما ذلك إلّا إعمالا لإرادة الإنسان ، وإيقاظا لوجوده ، وإلّا فإنّ الأمر كلّه للّه ، وليس للإنسان منه شيء ، وأنّ على الإنسان في مواجهته للحياة أن يستقلّ بإرادته ، وألّا يضيفها إلى اللّه . فإن حصّل بتلك الإرادة خيرا حمد اللّه عليه ، وشكر له أن وفّقه وهداه ، وإن حصّل شرّا نظر إلى نفسه ، فألقى باللّائمة عليها ، وصحّح موقفه الّذي أورده موارد الشّرّ ، وذلك على الأقلّ - وإن لم يزحزح الإنسان عمّا أراد اللّه له - يجعل الشّرّ أمرا بغيضا حتّى عند أهله الّذين ساقهم قدرهم إليه ، وذلك أضعف الإيمان في مواجهة الشّرّ . وبهذا يستقيم للإنسانيّة في مجموعها رأي في الخير وفي الشّرّ ، فتحتفي بالخير وترضى عنه ، وتبغض الشّرّ وتنفر منه . وبهذا يتوازن ميزان الحياة ، فيكون فيها الخير والشّرّ ، والأخيار والأشرار . الأمر الّذي لا تكون الحياة حياة إلّا بهما ، ولا يكون النّاس ناسا إلّا معهما جميعا . وإذا استقام في الإنسانيّة أنّ الخير طيّب محبوب ، وأنّ الشّرّ خبيث مكره ، فإنّه مطلوب من الإنسان - كلّ إنسان - أن يسعى جاهدا إلى تحصيل الخير والاستزادة منه ، وأن ينفر جاهدا من الشّرّ والتّخفّف منه . وألّا يستولي عليه في حاليه هذين أيّ شعور ، بأنّه مهما جدّ وجهد فلن يبلغ من جدّه واجتهاده إلّا ما قدّره اللّه له ، وكتبه عليه ، فذلك - وإن يكن الحقّ كلّ الحقّ - أمر غير مكشوف له ، وأنّ عليه أن يعمل للخير ، وأن يجدّ في تحصيله ، وأن يدع المصير الّذي هو صائر إليه ، لتقدير اللّه وحكمه أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ الشّورى : 53 . ( 3 : 841 ) مكارم الشّيرازيّ : من أين تأتي الانتصارات والهزائم ؟ يشير القرآن في الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين ، حين يوضح أنّ هؤلاء إذا أحرزوا نصرا أو غنموا خيرا قالوا : إنّ اللّه هو الّذي أنعم عليهم بذلك ، وزعموا أنّهم أهل لهذه النّعمة وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النّساء : 78 . أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال ، ألقوا اللّوم على النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وافتروا عليه بقولهم : إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده ، متّهمين خططه العسكريّة بالضّعف ، من ذلك ما حدث في غزوة أحد ، تقول الآية : وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ويحتمل بعض المفسّرين أن تكون هذه الآية قد نزلت بشأن اليهود ، ويرون أنّ المقصود بالحسنة والسّيّئة - هنا - هو ما كان يحدث من وقائع سارّة وضارّة ؛ حيث كان اليهود حين بعثة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ينسبون كلّ حدث سارّ ونافع إلى اللّه ، ويعزون حدوث الوقائع الضّارّة إلى وجود النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بين ظهرانيهم ، بينما اتّصال الآية بالآيات السّابقة والتّالية - الّتي يدور الحديث فيها عن المنافقين - يدلّ على أنّ المقصود في هذه الآية الأخيرة هم المنافقون . ومهما يكن من أمر ، القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكّدا أنّ الإنسان المسلم الموحّد الّذي يؤمن صادقا باللّه ويعبده ولا يعبد سواه ، إنّما يعتقد بأنّ كلّ الوقائع والأحداث والانتصارات والهزائم هي بيد اللّه العليم