مجمع البحوث الاسلامية

178

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الحكيم ، فاللّه هو الّذي يهب الإنسان ما يستحقّه ويعطيه بحسب قيمته الوجوديّة ، وفي هذا المجال تقول الآية : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . والآية هذه تحمل في آخرها تقريعا وتأنيبا للمنافقين الّذين لا يتفكّرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة ؛ حيث تقول : فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً النّساء : 78 . وبعد هذا - في الآية التّالية - يصرّح القرآن بأنّ كلّ ما يصيب الإنسان من خيرات وفوائد وكلّ ما يواجهه الكائن البشريّ من سرور وانتصار هو من عند اللّه ، وأنّ ما يحصل للإنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإنسان نفسه ، تقول الآية : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وتردّ الآية في آخرها على أولئك الّذين كانوا يرون وجود النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله سببا لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم ، فتقول : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً النّساء : 79 . جواب على سؤال مهمّ : السّؤال المهمّ الّذي يتبادر إلى الذّهن حين قراءة هاتين الآيتين الأخيرتين هو : لماذا نسب الخير والشّرّ في الآية الأولى كلّه للّه ؟ ولماذا حصرت الآية التّالية الخير - وحده - للّه ونسبت الشّرّ إلى الإنسان ؟ حين نمعن النّظر في الآيتين تواجهنا عدّة أمور ، يمكن لكلّ منها أن يكون هو الجواب على هذا السّؤال . 1 - لو أجرينا تحليلا على عناصر تكوين الشّرّ لرأينا أنّ لها اتّجاهين ، أحدهما : إيجابيّ والآخر سلبيّ . والاتّجاه الأخير هو الّذي يجسّد شكل الشّرّ أو السّيّئة ويبرزه على صورة « خسارة نسبيّة » فالإنسان الّذي يقدم على قتل نظيره بسلاح ناريّ أو سلاح بارد ، يكون قد ارتكب بالطّبع عملا شرّيرا وسيّئا ، فما هي إذن عوامل حدوث هذا العمل الشّرّير ؟ إنّها تتكوّن من : أوّلا : قدرة الإنسان وعقله وقدرة السّلاح والقدرة على الرّمي والتّهديف الصّحيحين واختيار المكان والزّمان المناسبين ، وهذه تشكّل عناصر الاتّجاه الإيجابيّ للقضيّة ، لأنّ كلّ عنصر منها يستطيع في حدّ ذاته أن يستخدم كعامل لفعل حسن إذا استغلّ الاستغلال الحكيم ، أمّا الاتّجاه السّلبيّ فهو في استغلال كلّ من هذه العناصر في غير محلّه ، فبدلا من أن يستخدم السّلاح لدرء خطر حيوان مفترس أو للتّصدّي لقاتل ومجرم خطير ، يستخدم في قتل إنسان بريء فيجسّد بذلك فعل الشّرّ ، وإلّا فإنّ قدرة الإنسان وعقله وقدرته على الرّمي ، والتّهديف ، وأصل السّلاح وكلّ هذه العناصر ، يمكن أن يستفاد منها في مجال الخير . وحين تنسب الآية الأولى الخير والشّرّ كلّه للّه ، فإنّ ذلك معناه أنّ مصادر القوّة جميعها بيد اللّه العليم القدير حتّى تلك القوّة الّتي يساء استخدامها ، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشّرّ للّه ، لأنّه هو واهب القوى . والآية الثّانية تنسب « السّيّئات » إلى النّاس انطلاقا من مفهوم « الجوانب السّلبيّة » للقضيّة ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهيّة . تماما مثل والد وهب ابنه مالا ليبني به دارا جديدة ، لكن هذا الولد بدلا من أن يستخدم هذا المال في بناء