مجمع البحوث الاسلامية
163
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الّتى تناسب حاله . ومن هنا يمكنك أن تحدس أنّ السّرّاء والضّرّاء والنّعمة والبلاء بالنّسبة إلى هذا الإنسان الّذي يعيش في ظرف الاختيار - في تعليم القرآن - أمور مرتبطة باختياره ، فإنّه واقع في صراط ينتهي به بحسن السّلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه ، كلّ ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل . والقرآن الكريم يصدّق هذا الحدس ، قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ الأنفال : 53 ، فلما في أنفسهم من النّيّات الطّاهرة والأعمال الصّالحة دخل في النّعمة الّتي خصّوا بها ، فإذا غيّروا غيّر اللّه بإمساك رحمته ، وقال : وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ الشّورى : 30 ، فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النّوازل ويصيبهم من المصائب ، واللّه يعفو عن كثير منها . وقال تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . . النّساء : 79 وإيّاك أن تظنّ أنّ اللّه سبحانه حين أوحى ، هذه الآية إلى نبيّه صلّى اللّه عليه وآله نسي الحقيقة الباهرة الّتي أبانها بقوله : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الزّمر : 62 ، وقوله : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ السّجدة : 7 ، فعدّ كلّ شيء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه ، وقد قال : وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا مريم : 64 ، وقال : لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسى طه : 52 ، فمعنى قوله : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ . . . النّساء : 79 ، أنّ ما أصابك من حسنة - وكلّ ما أصابك حسنة - فمن اللّه ، وما أصابك من سيّئة فهي سيّئة بالنّسبة إليك ؛ حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة ، فإنّما جرّتها إليك نفسك باختيارها السّيّئ ، واستدعتها كذلك من اللّه ، فاللّه أجلّ من أن يبدأك بشرّ أو ضرّ . والآية كما تقدّم وإن كانت خصّت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالخطاب ، لكنّ المعنى عامّ للجميع ، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً . . . وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ . . . متكفّلة للخطاب الاجتماعيّ كتكفّلها للخطاب الفرديّ ، فإنّ للمجتمع الإنسانيّ كينونة إنسانيّة وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك . فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده ، ويؤاخذ متأخّروهم بسيّئات المتقدّمين ، والأموات بسيّئات الأحياء ، والفرد غير المقدم بذنب المقترفين للذّنوب وهكذا ، وليس يصحّ ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا ، وقد تقدّم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثّاني من هذا الكتاب . فهذا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه ، وأصيب المسلمون بما أصيبوا ، وهو صلّى اللّه عليه وآله نبيّ معصوم ، إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعه وقد خالفوا أمر اللّه ورسوله ، كان ذلك مصيبة سيّئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعه وهو فيهم ، وإن أسند إلى شخصه الشّريف ، كان ذلك محنة إلهيّة أصابته في سبيل اللّه ، وفي طريق دعوته الطّاهرة إلى اللّه على بصيرة ، فإنّما هي نعمة