مجمع البحوث الاسلامية

164

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

رافعة للدّرجات . وكذا كلّ ما أصاب قوما من السّيّئات إنّما تستند إلى أعمالهم على ما يراه القرآن ، ولا يرى إلّا الحقّ ، وأمّا ما أصابهم من الحسنات فمن اللّه سبحانه . نعم هاهنا آيات أخر ربّما نسبت إليهم الحسنات بعض النّسبة ، كقوله تعالى : وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ الأعراف : 96 ، وقوله : وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ السّجدة : 24 ، وقوله : وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ الأنبياء : 86 ، والآيات في هذا المعنى كثيرة جدّا . إلّا أنّ اللّه سبحانه يذكر في كلامه أنّ شيئا من خلقه لا يقدر على شيء ممّا يقصده من الغاية ، ولا يهتدي إلى خير إلّا بإقدار اللّه وهدايته ، قال تعالى : الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى طه : 50 ، وقال تعالى : وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً النّور : 21 ، ويتبيّن بهاتين الآيتين وما تقدّم معنى آخر لكون الحسنات للّه عزّ اسمه ، وهو أنّ الإنسان لا يملك حسنة إلّا بتمليك من اللّه وإيصال منه ، فالحسنات كلّها للّه والسّيّئات للإنسان ، وبه يظهر معنى قوله تعالى : ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . . النّساء : 79 . فللّه سبحانه الحسنات بما أنّ كلّ حسن مخلوق له ، والخلق والحسن لا ينفكّان ، وله الحسنات بما أنّها خيرات ، وبيده الخير لا يملكه غيره إلّا بتمليكه ، ولا ينسب إليه شيء من السّيّئات ، فإنّ السّيّئة من حيث إنّها سيّئة غير مخلوقة وشأنه الخلق ، وإنّما السّيّئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما قدّمته أيدي النّاس . وأمّا الحسنة والسّيّئة بمعنى الطّاعة والمعصية فقد تقدّم الكلام في نسبتهما إلى اللّه سبحانه ، في الكلام على قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا البقرة : 26 ، في الجزء الأوّل من هذا الكتاب . وأنت لو راجعت التّفاسير في هذا المقام وجدت من شتات القول ، ومختلف الآراء والأهواء وأقسام الإشكالات ما يبهتك ، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية للمتدبّر في كلامه تعالى ، وعليك في هذا البحث بتفكيك جهات البحث بعضها عن بعض ، وتفهّم ما يتعارفه القرآن من معنى الحسنة والسّيّئة ، والنّعمة والنّقمة ، والفرق بين شخصيّة المجتمع والفرد ، حتّى يتّضح لك مغزى الكلام . ( 5 : 8 - 15 ) 4 - ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ . . . النّساء : 79 ابن عبّاس : الحسنة : ما فتح اللّه عليه يوم بدر ، وما أصابه من الغنيمة والفتح ، والسّيّئة : ما أصابه يوم أحد ، أن شجّ في وجهه ، وكسرت رباعيّته . ( الطّبريّ 5 : 175 ) مثله الحسن ( الماورديّ 1 : 509 ) ، ونحوه مقاتل ( 1 : 391 ) . مخاطبة من اللّه تعالى للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد به : أصحابه ، والنّبيّ من ذلك بريء . ( الواحديّ 2 : 84 ) أبو العالية : إنّ الحسنة : الطّاعة ، والسّيّئة :