مجمع البحوث الاسلامية
147
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الحسنات ، والحسنة الّتي بها تحصل جميع الحسنات في الدّنيا : حفظ الإيمان عليه في المآل ، فإنّ من خرج من الدّنيا مؤمنا لا يخلّد في النّار ، وبفوات هذا لا يحصل شيء ، والحسنة الّتي تنتظم بها حسنات الآخرة : المغفرة ، فإذا غفر فبعدها ليس إلّا كلّ خير . ويقال : الحسنة في الدّنيا : العزوف عنها ، والحسنة في الآخرة : الصّون عن مساكنتها ، والوقاية من النّار ونيران الفرقة ؛ إذ اللّام في قوله : ( النّار ) لام جنس فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة جميعا . ويقال : الحسنة في الدّنيا : شهود بالأسرار ، وفي الآخرة : رؤية بالأبصار . ويقال : حسنة الدّنيا : ألّا يغنيك عنك ، وحسنة الآخرة : ألّا يردّك إليك . ويقال : حسنة الدّنيا : توفيق الخدمة ، وحسنة الآخرة : تحقيق الوصلة . ( 1 : 180 ) الزّمخشريّ : والحسنتان ما هو طلبة الصّالحين في الدّنيا من الصّحّة والكفاف والتّوفيق في الخير ، وطلبتهم في الآخرة من الثّواب . [ ثمّ نقل قول الإمام عليّ عليه السّلام ] ( 1 : 350 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 110 ) ، وأبو السّعود ( 1 : 253 ) ، والكاشانيّ ( 1 : 217 ) ، وشبّر ( 1 : 205 ) . ابن عطيّة : [ نقل أقوال قتادة والحسن بن أبي الحسن والسّدّيّ ثمّ قال : ] وقيل : حسنة الدّنيا : المرأة الحسناء ، واللّفظة تقتضي هذا كلّه ، وجميع محابّ الدّنيا . وحسنة الآخرة : الجنّة بإجماع . ( 1 : 277 ) الفخر الرّازيّ : أمّا قوله تعالى : وَمِنْهُمْ مَنْ . . . فالمفسّرون ذكروا فيه وجوها : أحدها : أنّ الحسنة في الدّنيا عبارة عن الصّحّة ، والأمن ، والكفاية ، والولد الصّالح ، والزّوجة الصّالحة ، والنّصرة على الأعداء ، وقد سمّى اللّه تعالى الخصب والسّعة في الرّزق ، وما أشبهه : حسنة ، فقال : إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ التّوبة : 50 . وقيل في قوله : قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ التّوبة : 52 ، أنّهما الظّفر والنّصرة والشّهادة . وأمّا الحسنة في الآخرة فهي الفوز بالثّواب ، والخلاص من العقاب . وبالجملة فقوله : رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً كلمة جامعة لجميع مطالب الدّنيا والآخرة . [ ثمّ حكى قول أنس المتقدّم عن حمّاد بن سلمة وقال : ] ولقد صدق أنس . فإنّه ليس للعبد دار سوى الدّنيا والآخرة ، فإذا سأل حسنة الدّنيا وحسنة الآخرة لم يبق شيء سواه . وثانيها : أنّ المراد بالحسنة في الدّنيا : العمل النّافع : وهو الإيمان والطّاعة ، والحسنة في الآخرة : اللّذّة الدّائمة ، والتّعظيم ، والتّنعّم بذكر اللّه ، وبالأنس به ، وبمحبّته وبرؤيته . [ إلى أن قال : ] وثالثها : [ نقل قولي قتادة والحسن ثمّ قال : ] واعلم أنّ منشأ البحث في الآية أنّه لو قيل : « آتنا في الدّنيا الحسنة وفي الآخرة الحسنة » لكان ذلك متناولا لكلّ الحسنات ، ولكنّه قال : آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وهذا نكرة في محلّ الإثبات ، فلا يتناول