مجمع البحوث الاسلامية

148

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

إلّا حسنة واحدة ، فلذلك اختلف المتقدّمون من المفسّرين ، فكلّ واحد منهم حمل اللّفظ على ما رآه أحسن أنواع الحسنة . فإن قيل : أليس أنّه لو قيل : « آتنا الحسنة في الدّنيا والحسنة في الآخرة » لكان ذلك متناولا لكلّ الأقسام ، فلم ترك ذلك وذكر على سبيل التّنكير ؟ قلت : الّذي أظنّه في هذا الموضع - والعلم عند اللّه - أنّا بيّنّا فيما تقدّم أنّه ليس للدّاعي أن يقول : اللّهمّ أعطني كذا وكذا . بل يجب أن يقول : اللّهمّ إن كان كذا وكذا مصلحة لي ، وموافقا لقضائك وقدرك ، فأعطني ذلك . فلو قال : اللّهمّ أعطني الحسنة في الدّنيا والآخرة ، لكان ذلك جزما ، وقد بيّنّا أنّه غير جائز . أمّا لمّا ذكر على سبيل التّنكير ، فقال : أعطني في الدّنيا حسنة كان المراد منه حسنة واحدة ، وهي الحسنة الّتي تكون موافقة لقضائه وقدره ورضاه وحكمه وحكمته ، فكان ذلك أقرب إلى رعاية الأدب ، والمحافظة على أصول اليقين . ( 5 : 206 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 2 : 190 ) القرطبيّ : [ نقل قول عليّ عليه السّلام وقتادة والحسن ثمّ قال : ] والّذي عليه أكثر أهل العلم أنّ المراد بالحسنتين : نعم الدّنيا والآخرة . وهذا هو الصّحيح ؛ فإنّ اللّفظ يقتضي هذا كلّه ، فإنّ ( حسنة ) نكرة في سياق الدّعاء ، فهو محتمل لكلّ حسنة من الحسنات على البدل . وحسنة الآخرة : الجنّة بإجماع . وقيل : لم يرد حسنة واحدة ، بل أراد : أعطنا في الدّنيا عطيّة حسنة ؛ فحذف الاسم . ( 2 : 432 ) النّسفيّ : فِي الدُّنْيا حَسَنَةً : نعمة وعافية ، أو علما وعبادة . وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً : عفوا ومغفرة ، أو المال والجنّة ، أو ثناء الخلق ورضا الحقّ ، أو الإيمان والأمان ، أو الإخلاص والخلاص ، أو السّنّة والجنّة ، أو القناعة والشّفاعة ، أو المرأة الصّالحة والحور العين ، أو العيش على سعادة والبعث من القبور على بشارة . ( 1 : 103 ) الخازن : إنّ الحسنة في الدّنيا عبارة عن الصّحّة والأمن ، والكفاية والتّوفيق إلى الخير ، والنّصر على الأعداء ، والولد الصّالح والزّوجة الصّالحة . عن عبد اللّه ابن عمر وبن العاص عن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : الدّنيا متاع وخير ، متاعها : المرأة الصّالحة . وقيل : الحسنة في الدّنيا : العلم والعبادة ، وفي الآخرة : الجنّة . وقيل : الحسنة في الدّنيا : الرّزق الحلال والعمل الصّالح ، وفي الآخرة : المغفرة والثّواب . وقيل : من آتاه اللّه الإسلام والقرآن وأهلا ومالا فقد أوتي في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، يعني في الدّنيا عافية وفي الآخرة عافية . ( 1 : 159 ) أبو حيّان : الحسنة مطلقة ، والمعنى أنّهم سألوا اللّه في الدّنيا الحالة الحسنة . [ واستشهد بأقوال عديدة ثمّ قال : ] وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً مثّلوا حسنة الآخرة بأنّها الجنّة ، أو العفو والمغفرة والسّلامة من هول الموقف وسوء الحساب ، أو النّعمة ، أو الحور العين ، أو تيسير الحساب ، أو مرافقة الأنبياء ، أو لذّة الرّؤية ، أو الرّضا ، أو اللّقاء .