مجمع البحوث الاسلامية

108

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

منه دون الحسن ، فإنّ ذلك ممّا لا يخطر ببال أحد ، لا سيّما بعد قوله تعالى : ( اجرهم ) و ( لنجزينّهم ) بحسب أحسن أفراد أعمالهم ، على معنى لنعطينّهم بمقابلة الفرد الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفرد الأعلى منها من الأجر الجزيل ، لا أنّا نعطي الأجر بحسب أفرادها المتفاوتة في مراتب الحسن ، بأن نجزي الحسن منها بالأجر الحسن والأحسن بالأحسن . وفيه ما لا يخفى من العهدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصّبر من بعض جزع ، ونظمه في سلك الصّبر الجميل ، أو لنجزينّهم بجزاء أحسن من أعمالهم . وأمّا التّفسير بما ترجّح فعله من أفعالهم كالواجبات والمندوبات ، أو بما ترجّح تركه أيضا كالمحرّمات والمكروهات ، دلالة على أنّ ذلك هو المدار للجزاء دون ما يستوي فعله وتركه كالمباحات ، فلا يساعده مقام الحثّ على الثّبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنة المخصوصة والتّرغيب في تحصيل ثمراتها ، بل التّعرّض لإخراج بعض أعمالهم عن مداريّة الجزاء ، من قبيل تحجير الرّحمة الواسعة في مقام توسيع حماها . ( 4 : 90 ) الآلوسيّ : وهو الصّبر فإنّه من الأعمال القلبيّة ، والكلام على حذف مضاف ، أي لنجزينّهم بجزاء صبرهم ، وكان الصّبر أحسن الأعمال لاحتياج جميع التّكاليف إليه ، فهو رأسها ، قاله أبو حيّان . [ ثمّ نقل كلام أبي السّعود ] ( 14 : 225 ) مغنيّة : إنّ قوله هذا يؤمي إلى أنّه تعالى يجزي الصّابرين بالثّواب على أحسن أعمالهم ، أمّا أعمالهم الحسنة والسّيّئة فإنّه لا يجزيهم عليها بشيء ، فهل هذا المعنى هو المراد من الآية ؟ الجواب : أنّ أعمال الإنسان تنقسم إلى طاعات واجبة ومستحبّة ، ومعاص ، ومباحات ، وليس من شكّ أنّ أحسنها الطّاعات ، وأقبحها المعاصي ، واللّه سبحانه يثيب الصّابرين على جميع ما يفعلونه من الطّاعات ومنها الصّبر في طاعة اللّه ، وهو أفضلها وأشرفها . أمّا المباحات فلا يستحقّ فاعلها ثوابا ولا عقابا . فالمراد : بأحسن ما كانوا يعملون الطّاعات بشتّى صورها وأشكالها ، وليس المراد الصّبر فقط . أجل ، إنّ اللّه سبحانه صرّح بأنّه يجزي الصّابرين على حسناتهم ، وسكت عن سيّئاتهم ، وفي هذا السّكوت وعد أو شبه وعد بأنّه تعالى يغفرها برحمته وفضله . ( 4 : 550 ) الطّباطبائيّ : بِأَحْسَنِ . . . الباء للمقابلة ، كما في قولنا : بعت هذا بهذا وليست المراد بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ : الأحسن من أعمالهم ، في مقابل الحسن منها ، بأن يميّز اللّه سبحانه بين أعمالهم الحسنة فيقسّمها إلى حسن وأحسن ، ثمّ يجزيهم بأحسنها ويلغي الحسن ، كما ذكره بعضهم ، فإنّ المقام لا يؤيّده وآيات الجزاء تنفيه والرّحمة الواسعة الإلهيّة تأباه . وليس المراد به الواجبات والمستحبّات من أعمالهم قبال المباحات الّتي أتوابها ، فإنّها لا تخلو من حسن ، كما ذكره آخرون . فإنّ الكلام ظاهر في أنّ المراد بيان الأجر على الأعمال المأتيّ بها في ظرف الصّبر ممّا يرتبط به ارتباطا ،