مجمع البحوث الاسلامية

109

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وواضح أنّ المباحات الّتي يأتي بها الصّابر في اللّه لا ارتباط لها بصبره ، فلا وجه لاعتبارها بين الأعمال ثمّ اختيار الأحسن من بينها . على أنّه لا مطمع لعبد في أن يثيبه اللّه على ما أتى به من المباحات حتّى يبيّن له أنّ الثّواب في مقابل ما أتى به من الواجبات والمستحبّات الّتي هي أحسن ممّا أتى به من المباحات ، فيكون ذكر الحسن مستدركا زائدا . ومن هنا يظهر أن ليس المراد به النّوافل ، بناء على عدم الإلزام فيها فتكون أحسن ما عمل ، فإنّ كون الواجب مشتملا من المصلحة الموجبة للحسن على أزيد من النّفل معلوم من الخطابات التّشريعيّة ، بحيث لا يرتاب فيه . بل المراد بذلك : أنّ العمل الّذي يأتون به وله في نوعه ما هو حسن وما هو أحسن ، فاللّه سبحانه يجزيه من الأجر على ما أتى به ما هو أجر الفرد الأحسن من نوعه ، فالصّلاة الّتي يصلّيها الصّابر في اللّه يجزيه اللّه سبحانه لها أجر الفرد الأحسن من الصّلاة ، وإن كانت ما صلّاها غير أحسن . وبالحقيقة يستدعي الصّبر أن لا يناقش في العمل ولا يحاسب ما هو عليه من الخصوصيّات المقتضية لخسّته ورداءته ، كما يفيده قوله تعالى : إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ الزّمر : 10 . ( 12 : 339 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ التّعبير ب ( أحسن ) دليل على أنّ أعمالهم الحسنة ليست بدرجة واحدة ، فبعضها حسن والبعض الآخر أحسن ، ولكنّ اللّه تعالى يجزي الجميع بأحسن ما كانوا يعملون ، وهو ذروة اللّطف والرّحمة الرّبّانيّة . ( 8 : 281 ) فضل اللّه : يتوقّف القارئ أمام قوله : بِأَحْسَنِ ليستوحي منها بعضهم أنّ اللّه يلغي أجر الحسن من الأعمال ، ويعطيه للأحسن ، ونحو ذلك . ولعلّ هذا المعنى الّذي استوحيناه هو أشار إليه صاحب « الميزان » بقوله : « المراد . . . إلخ » . وربّما كان مراده معنى آخر ؛ وذلك بأنّ الصّبر يعطي الصّابر ميزة في الأجر على غيره ، حتّى لو كان العمل لا يستحقّ ذلك في ذاته . وعلى هذا الأساس ، فإنّ تعليقنا عليه ، هو أنّ الظّاهر هو التّأكيد : أنّ الصّبر يمنح العمل خصوصيّة جديدة يستحقّ بها الإنسان الأجر الزّائد ، لما في الصّبر من قيمة للعمل ، واللّه العالم . ( 13 : 291 ) وبهذا المعنى جاء : 15 - . . . وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ النّحل : 97 . و 16 - لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا . . . النّور : 38 و 17 - وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ . العنكبوت : 7 راجع « ج ز ي - ليجزيهم » 18 - أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا . الفرقان : 24 الآلوسيّ : وفي وصفه بزيادة الحسن مع حصول الخيريّة بعطفه على المستقرّ رمز إلى أنّ لهم ما يتزيّن به من حسن الصّور وغيره من التّحاسين . فإنّ حسن