مجمع البحوث الاسلامية

873

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سحره ، أو بغاه سوء . وإنّما قلنا : ذلك أولى بالصّواب ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ لم يخصّص من قوله : وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ حاسدا دون حاسد ، بل عمّ أمره إيّاه بالاستعاذة من شرّ كلّ حاسد ، فذلك على عمومه . ( 30 : 353 ) الثّعلبيّ : قال الحسين بن الفضل : إنّ اللّه جمع الشّرور في هذه الآية وختمها بالحسد ليعلم أنّه أخسّ الطّبائع . ( 10 : 340 ) الماورديّ : أمّا الحسد فهو تمنّي زوال نعمة المحسود وإن لم يصر للحاسد مثلها ، والمنافسة هي تمنّي مثلها وإن لم تزل ؛ فالحسد شرّ مذموم ، والمنافسة رغبة مباحة . وقد روي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « المؤمن يغبط والمنافق يحسد » . وفي الاستعاذة من شرّ حاسد إذا حسد وجهان : أحدهما : من شرّ نفسه وعينه ، فإنّه ربّما أصاب بها فعان وضرّ « 1 » ، والمعيون : المصاب بالعين . [ ثمّ استشهد بشعر ] الثّاني : أن يحمله فرط الحسد على إيقاع الشّرّ بالمحسود ، فإنّه يتبع المساوئ ويطلب العثرات . وقد قيل : إنّ الحسد أوّل ذنب عصي اللّه به في السّماء والأرض ، فحسد إبليس آدم حتّى أخرجه من الجنّة ، وأمّا في الأرض فحسد قابيل بن آدم لأخيه هابيل حتّى قتله . نعوذ باللّه من شرّ ما استعاذنا منه . ( 6 : 377 ) نحوه القرطبيّ . ( 20 : 259 ) الزّمخشريّ : إِذا حَسَدَ إذا ظهر حسده وعمل بمقتضاه من بغي الغوائل للمحسود ، لأنّه إذا لم يظهر أثر ما أضمره ، فلا ضرر يعود منه على من حسده . بل هو الضّارّ لنفسه ، لاغتمامه بسرور غيره وعن عمر بن عبد العزيز : لم أرظالما أشبه بالمظلوم من حاسد . ويجوز أن يراد بشرّ الحاسد : إثمه وسماجة حاله ، في وقت حسده وإظهاره أثره . فإن قلت : قوله : مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ الفلق : 2 ، تعميم في كلّ ما يستعاذ منه ، فما معنى الاستعاذة بعده من الغاسق والنّفّاثات والحاسد ؟ قلت : قد خصّ شرّ هؤلاء من كلّ شرّ لخفاء أمره ، وأنّه يلحق الإنسان من حيث لا يعلم ، كأنّما يغتال به . وقالوا : شرّ العداة المداجي الّذي يكيدك من حيث لا تشعر . فإن قلت : فلم عرّف بعض المستعاذ منه ونكّر بعضه ؟ قلت : عرّفت ( النّفّاثات ) لأنّ كلّ نفّاثة شرّيرة ، ونكّر ( غاسق ) لأنّ كلّ غاسق لا يكون فيه الشّرّ ، إنّما يكون في بعض دون بعض ، وكذلك كلّ حاسد لا يضرّ . وربّ حسد محمود وهو الحسد في الخيرات ، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام : « لا حسد إلّا في اثنتين » . وقال أبو تمّام : * وما حاسد في المكرمات بحاسد * وقال : * إنّ العلى حسن في مثلها الحسد * . ( 4 : 301 ) نحوه أبو حيان ( 8 : 531 ) ، والشّربينيّ ( 4 : 614 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 491 ) . الطّبرسيّ : إنّه يحمله الحسد على إيقاع الشّرّ بالمحسود ، فأمر بالتّعوّذ من شرّه . وقيل : إنّه أراد من شرّ نفس الحاسد ومن شرّ عينه ، فإنّه ربّما أصاب بهما فعاب

--> ( 1 ) لعلّه كما قال الطّبرسيّ : ربما أصاب بهما فعاب وضرّ .