مجمع البحوث الاسلامية

785

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

كانت مواظبته على عمل من الأعمال أكثر ، كان رسوخ الملكة التّامّة على ذلك العمل منه فيه أقوى ! المقدّمة الثّانية : أنّه لمّا كان تكرّر العمل يوجب حصول الملكة الرّاسخة ، وجب أن يكون لكلّ واحد من تلك الأعمال أثر في حصول تلك الملكة ، بل كان يجب أن يكون لكلّ جزء من أجزاء العمل الواحد أثر بوجه مّا في حصول تلك الملكة ، والعقلاء ضربوا لهذا الباب أمثلة : المثال الأوّل : أنّا لو فرضنا سفينة عظيمة بحيث لو ألقي فيها مائة ألف منّ ، فإنّها تغوص في الماء بقدر شبر واحد . فلو لم يلق فيها إلّا حبّة واحدة من الحنطة ، فهذا القدر من إلقاء الجسم الثّقيل في تلك السّفينة يوجب غوصها في الماء بمقدار قليل ، وإن قلّت وبلغت في القلّة إلى حيث لا يدركها الحسّ ولا يضبطها الخيال . المثال الثّاني : أنّه ثبت عند الحكماء أنّ البسائط أشكالها الطّبيعيّة كرات ، فسطح الماء يجب أن يكون كرة ، والقسيّ المشابهة من الدّوائر المحيطة بالمركز الواحد متفاوتة ، فإنّ تحدّب القوس الحاصل من الدّائرة العظمى ، يكون أقلّ من تحدّب القوس المشابهة للأولى من الدّائرة الصّغرى . وإذا كان الأمر كذلك فالكوز إذا ملئ من الماء . ووضع تحت الجبل ، كانت حدبة سطح ذلك الماء أعظم من حدبته عندما يوضع الكوز فوق الجبل ، ومتى كانت الحدبة أعظم وأكثر كان احتمال الماء بالكوز أكثر . فهذا يوجب أنّ احتمال الكوز للماء حال كونه تحت الجبل أكثر من احتماله للماء حال كونه فوق الجبل ، إلّا أنّ هذا القدر من التّفاوت بحيث لا يفي بإدراكه الحسّ والخيال ، لكونه في غاية القلّة . والمثال الثّالث : أنّ الإنسانين اللّذين يقف أحدهما بالقرب من الآخر ، فإنّ رجليهما يكونان أقرب إلى مركز العالم من رأسيهما ، لأنّ الأجرام الثّقيلة تنزل من فضاء المحيط إلى ضيق المركز ، إلّا أنّ ذلك القدر من التّفاوت لا يفي بإدراكه الحسّ والخيال . فإذا عرفت هذه الأمثلة ، وعرفت أنّ كثرة الأفعال توجب حصول الملكات ، فنقول : لا فعل من أفعال الخير والشّرّ بقليل ولا كثير ، إلّا ويفيد حصول أثر في النّفس : إمّا في السّعادة ، وإمّا في الشّقاوة ، وعند هذا ينكشف بهذا البرهان القاطع صحّة قوله تعالى : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ الزّلزال : 7 ، 8 ، ولمّا ثبت أنّ الأفعال توجب حصول الملكات والأفعال الصّادرة من اليد ، فهي المؤثّرة في حصول الملكة المخصوصة ، وكذلك الأفعال الصّادرة من الرّجل ، فلا جرم تكون الأيدي والأرجل شاهدة يوم القيامة على الإنسان ، بمعنى أنّ تلك الآثار النّفسانيّة ، إنّما حصلت في جواهر النّفوس ، بواسطة هذه الأفعال الصّادرة عن هذه الجوارح ، فكان صدور تلك الأفعال من تلك الجارحة المخصوصة جاريا مجرى الشّهادة ، لحصول تلك الآثار المخصوصة في جوهر النّفس . وأمّا الحساب : فالمقصود منه معرفة ما بقي من الدّخل والخرج . ولمّا بيّنّا أنّ لكلّ ذرّة من أعمال الخير والشّرّ أثرا في حصول هيئة من هذه الهيئات في جوهر النّفس : إمّا من الهيئات الزّاكية الطّاهرة أو من الهيئات المذمومة الخسيسة ، ولا شكّ أنّ تلك الأعمال كانت مختلفة . فلا جرم كان بعضها يتعارض بالبعض ، وبعد