مجمع البحوث الاسلامية

786

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

حصول تلك المعارضات بقي في النّفس قدر مخصوص من الخلق الحميد ، وقدر آخر من الخلق الذّميم ، فإذا مات الجسد ظهر مقدار ذلك الخلق الحميد ، ومقدار ذلك الخلق الذّميم ، وذلك الظّهور إنّما يحصل في الآن الّذي لا ينقسم ، وهو الآن الّذي فيه ينقطع تعلّق النّفس من البدن ، فعبّر عن هذه الحالة بسرعة الحساب . فهذه أقوال ذكرت في تطبيق الحكمة النّبويّة على الحكمة الفلسفيّة ، واللّه العالم بحقائق الأمور . ( 13 : 18 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 7 : 28 ) النّسفيّ : لا يشغله حساب عن حساب ، يحاسب جميع الخلق في مقدار حلب شاة . ( 2 : 16 ) البروسويّ : يحاسب جميع الخلائق في أسرع زمان وأقصره ، لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن ، لا يتكلّم بآلة ، ولا يحتاج إلى فكرة ورويّة وعقد يد . ومعنى المحاسبة : تعريف كلّ واحد ما يستحقّه من ثواب وعقاب . قال بعض العلماء : المحاسبة لتقدير الأعمال ، والوزن لإظهار مقاديرها ، فيقدّم الحساب على الميزان ، ولهذا لا ميزان لمن يدخل الجنّة بلا حساب . واعلم أنّ الحشر والحساب لا يكون على وجه الأرض ، وإنّما يكون في الأرض المبدّلة ، وهي أرض بيضاء كالفضّة لم يسفك فيها دم ، ولم يظلم عليها أحد . فإذا ثبت الحشر والحساب ، وأنّ اللّه تعالى هو المحاسب ، وجب على العاقل أن يحاسب نفسه قبل أن يناقش في الحساب ، لأنّه هو التّاجر في طريق الآخرة وبضاعته عمره ، وربحه صرف عمره في الطّاعات والعبادات ، وخسرانه صرفه في المعاصي والسّيّئات ، ونفسه شريكه في هذه التّجارة ، وهي وإن كانت تصلح للخير والشّرّ لكنّها أميل وأقبل إلى المعاصي والشّهوات ، فلا بدّ له من مراقبتها ومحاسبتها . ( 3 : 46 ) الآلوسيّ : يحاسب جميع الخلائق بنفسه في أسرع زمان وأقصره ، ويلزم هذا أن لا يشغله حساب عن حساب ولا شأن عن شأن . وفي الحديث : أنّه تعالى يحاسب الكلّ في مقدار حلب شاة ، وفي بعض الأخبار : في مقدار نصف يوم . وذهب بعضهم إلى أنّه تعالى لا يحاسب الخلق بنفسه بل يأمر سبحانه الملائكة عليهم السّلام فيحاسب كلّ واحد منهم واحدا من العباد . وذهب آخرون إلى أنّه عزّ وجلّ إنّما يحاسب المؤمنين بنفسه ، وأمّا الكفّار فتحاسبهم الملائكة ، لأنّه تعالى لو حاسبهم لتكلّم معهم ، وذلك باطل ، لقوله تعالى في صفتهم : ( ولا يكلّمهم ) . وأجاب الأوّلون عن هذا بأنّ المراد : أنّه تعالى لا يكلّمهم بما ينفعهم ، فإنّ ظواهر الآيات ومنها ما تقدّم في هذه السّورة من قوله تعالى : وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ الأنعام : 22 ، وقوله سبحانه : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ الأنعام : 30 ، تدلّ على تكليمه تعالى لهم في ذلك اليوم . ثمّ إنّ كيفيّة ذلك الحساب ممّا لا تحيط بتفصيلها عقول البشر من طريق الفكر أصلا ، وليس لنا إلّا الإيمان