مجمع البحوث الاسلامية

713

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

أصابع الرّحمان يقلّبه كيف يشاء » ولهذا جاء : « والمخلصون على خطر عظيم » وكان دأب الصّدّيقين أن يخلطوا الطّمع بالخوف والرّغبة بالرّهبة . يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً السّجدة : 16 ، وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً الأنبياء : 90 ، وقيل : لا خوف عليهم أمامهم ، فليس شيء أعظم في صدر الّذي يموت ممّا بعد الموت ، فآمنهم اللّه تعالى ، ثمّ سلّاهم فقال لهم : وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ على ما خلّفوه بعد وفاتهم في الدّنيا ، ثمّ إنّ الأئمّة خصّصوا نفي الخوف والحزن بالآخرة ، لأنّ مجاري الأمور في الدّنيا لا تخلو من مواجب الخوف والحزن . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : « خصّ البلاء بالأنبياء ، ثمّ بالأولياء ، ثمّ الأمثل فالأمثل » قلنا : المؤمن الرّاضي بقضاء اللّه وقدره لا يرى شيئا من المكاره مكروها ، وإنّما مراده مراد حبيبه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً النّساء : 65 . فبترك الإرادة يصحّ نسبة العبوديّة ، وبالرّضوان يحصل مفاتيح الجنان ، وتنكشف الهموم والأحزان ، ويتساوى الفقر والوجدان ، وتثبت حقيقة الإيمان وَالَّذِينَ كَفَرُوا لجحدهم مولاهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا لإثباتهم حكما لهم بحسب مشتهاهم وهواهم أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ البقرة : 39 ، ملازموها دائما سرمدا . سواء كانوا من الإنس أو من الجنّ ، أعاذنا اللّه منها بعميم فضله وجسيم طوله . ( 1 : 289 ) أبو حيّان : فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ قرأ الجمهور بالرّفع والتّنوين ، وقرأ الزّهريّ وعيسى الثّقفيّ ويعقوب بالفتح في جميع القرآن ، وقرأ ابن محيصن باختلاف عنه بالرّفع من غير تنوين . وجه قراءة الجمهور مراعاة الرّفع في وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ فرفعوا للتّعادل ، قال ابن عطيّة : والرّفع على إعمالها إعمال ليس ، ولا يتعيّن ما قاله بل الأولى أن يكون مرفوعا بالابتداء لوجهين : أحدهما : إنّ إعمال ( لا ) عمل ليس قليل جدّا ، ويمكن النّزاع في صحّته ، وإن صحّ فيمكن النّزاع في اقتباسه . والثّاني : حصول التّعادل بينهما إذ تكون ( لا ) قد دخلت في كلتا الجملتين على مبتدإ ولم تعمل فيهما . ووجه قراءة الزّهريّ ومن وافقه أنّ ذلك نصّ في العموم فينفي كلّ فرد فرد من مدلول الخوف ، وأمّا الرّفع فيجوزه وليس نصّا ، فراعوا ما دلّ على العموم بالنّصّ دون ما يدلّ عليه بالظّاهر . وأمّا قراءة ابن محيصن ، فخرّجها ابن عطيّة على أنّه من إعمال ( لا ) عمل ( ليس ) ، وأنّه حذف التّنوين تخفيفا لكثرة الاستعمال ، وقد ذكرنا ما في إعمال ( لا ) عمل ( ليس ) ، فالأولى أن يكون مبتدأ كما ذكرناه إذا كان مرفوعا منوّنا وحذف تنوينه كما قال : لكثرة الاستعمال ، ويجوز أن يكون عرى من التّنوين لأنّه على نيّة الألف واللّام ، فيكون التّقدير فلا الخوف عليهم ، ويكون مثل ما حكى الأخفش عن العرب : سلام عليكم ، بغير تنوين . قالوا : يريدون السّلام عليكم ، ويكون هذا التّخريج أولى ؛ إذ يحصل التّعادل في كون ( لا ) دخلت على المعرفة في كلتا الجملتين ، وإذا دخلت على المعارف لم تجر مجرى ( ليس ) ، وقد سمع من ذلك بيت للنّابغة