مجمع البحوث الاسلامية

623

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والصّواب من القول في ذلك أن يقال : كان الّذي حرّمه النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم على نفسه شيئا كان اللّه قد أحلّه له ، وجائز أن يكون ذلك كان جاريته ، وجائز أن يكون كان شرابا من الأشربة ، وجائز أن يكون كان غير ذلك . غير أنّه أيّ ذلك كان ، فإنّه كان تحريم شيء كان له حلالا ، فعاتبه اللّه على تحريمه على نفسه ما كان له قد أحلّه ، وبيّن له تحلّة يمينة ، في يمين كان حلف بها مع تحريمه ما حرّم على نفسه . فإن قال قائل : وما برهانك على أنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان حلف مع تحريمه ما حرّم ، فقد علمت قول من قال : لم يكن من النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في ذلك غير التّحريم . وأنّ التّحريم هو اليمين ؟ قيل : البرهان على ذلك واضح ، وهو أنّه لا يعقل في لغة عربيّة ولا عجميّة ، أنّ قول القائل لجاريته ، أو لطعام أو شراب ، هذا عليّ حرام ، يمين ، فإذا كان ذلك غير معقول ، فمعلوم أنّ اليمين غير قول القائل للشّيء الحلال له : هو عليّ حرام . وإذا كان ذلك كذلك صحّ ما قلنا ، وفسد ما خالفه . وبعد ، فجائز أن يكون تحريم النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ما حرّم على نفسه من الحلال الّذي كان اللّه تعالى ذكره أحلّه له بيمين ، فيكون قوله : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ معناه : لم تحلف على الشّيء الّذي قد أحلّه اللّه أن لا تقربه ، فتحرّمه على نفسك باليمين ؟ . وإنّما قلنا : إنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم حرّم ذلك ، وحلف مع تحريمه ، كما حدّثني الحسن بن قزعة ، قال : حدّثنا مسلمة ابن علقمة ، عن داود بن أبي هند ، عن الشّعبيّ ، عن مسروق ، عن عائشة قالت : « آلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وحرّم ، فأمر في الإيلاء بكفّارة ، وقيل له في التّحريم : لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ؟ » . ( 28 : 155 ) الزّجّاج : أي وقد غفر اللّه لك ذلك التّحريم . وجاء في التّفسير أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم شرب عسلا عند زينب بنت جحش ، فأجمعت عائشة وحفصة على أن يقولا له : إنّا نشمّ منك ريح المغافير . والمغافير : صمغ متغيّر الرّائحة ، وقيل في التّفسير : إنّه بقلة ، فلمّا صار إلى كلّ واحدة منهما قالت له : إنّي أشمّ منك ريح المغافير ، فحرّم النّبيّ عليه السّلام على نفسه شرب العسل ، وقيل : إنّه حلف على ذلك . [ ثمّ أدام الكلام نحو ابن عبّاس في مارية القبطيّة وأضاف : ] فلم يجعل اللّه لنبيّه أن يحرّم إلّا ما حرّم اللّه ، فعلى هذين التّفسيرين [ أكل العسل ووطء جاريته ] ليس لأحد أن يحرّم ما أحلّ اللّه ، فقال اللّه : قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ يعني الكفّارة ، لأنّه قد روي أنّه مع ذلك التّحريم حلف . وقال قوم : إنّ الكفّارة كفّارة التّحريم . ( 5 : 191 ) نحوه الثّعلبيّ ( 9 : 343 ) ، والبغويّ ( 5 : 116 ) ، والميبديّ ( 10 : 155 ) ، وابن الجوزيّ ( 8 : 302 ) ، والبيضاويّ ( 2 : 485 ) ، وأبو السّعود ( 6 : 267 ) ، والكاشانيّ ( 5 : 193 ) ، وشبّر ( 6 : 241 ) . الجصّاص : [ ذكر الوجهين في شأن النّزول ، ثمّ قال : ] وجائز أن يكون الأمران جميعا قد كانا من تحريم مارية وتحريم العسل ، إلّا أنّ الأظهر أنّه حرّم مارية ، وأنّ الآية فيها نزلت ، لأنّه قال : تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وليس في ترك شرب العسل رضا أزواجه