مجمع البحوث الاسلامية
536
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عند ذكر الملائكة لأعمالهم . وهذا المعنى والتّفسير لا يطابق الآيات الّتي جاءت بشكل الجملة المعترضة ، وإنّها تفيد الارتباط مع الآيات السّابقة واللّاحقة لها ، لأنّ جميعها تتحدّث عن أحوال القيامة والمعاد . وأمّا التّفسير الأوّل والثّاني فهو ما يناسب شكل الجملة المعترضة ، والتّفسير الثّالث بعيد للالتفات إلى ما جاء فيه من ذكر اسم القرآن في الآيات اللّاحقة ، وتشير سياق الآيات إلى أنّ المراد هو أحد التّفسيرين السّابقين . ولا إشكال في الجمع بينهما ، لما يتوافق سياق الآيات مع التّفسير الأوّل ، أي المشهور . تمعّن . ( 19 : 193 ) فضل اللّه : [ ذكر الرّواية المتقدّمة عن ابن عبّاس ثمّ قال : ] قد تكون هذه الرّواية صحيحة وقد لا تكون ، وربّما كانت اجتهادا شخصيّا في التّفسير ، ممّا لا يجعلها حجّة في فهم معنى الآية ، لذا لا بدّ من دراسة أجواء هذه الآيات وكلماتها . وفي هذا المجال نلاحظ أنّ هذه الآيات لا تتّفق في مضمونها مع ما يحيط بها أوّلا أو آخرا من الآيات المتّصلة بالقيامة في تفصيلات أحداثها ، أو الأحداث السّابقة عليها ، أو الأفكار المتعلّقة بها ، فهي واردة مورد الجمل المعترضة الّتي قد تكون لها بعض المناسبة ، وليس المناسبة كلّها . ولعلّ الجوّ الّذي يسود هذه الآيات قريب من الحالة النّفسيّة الّتي كان يعيشها النّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله عند نزول الآيات السّابقة ؛ بحيث إنّه كان يتابع كلمات القرآن عند تلاوة جبريل لها ، فيردّدها معه ويلاحقه في التّرديد ، حذرا من أن تفوته كلمة أو ينساها ، لأنّ مسؤوليّته هي الوعي الكامل للقرآن ، ليبلّغه للنّاس بكلّ دقّة . وقد تكون المسألة بطريقة الكناية ، بعيدا عن أيّة حالة طارئة للنّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله آنذاك ، فتكون تأكيدا على كفالة اللّه للقرآن ؛ بحيث لا يحتاج إلى السّرعة في ملاحقة الرّسول الملائكيّ بالتّلاوة وبالاستعجال بها عند سماعه ، ولعلّ هذا أقرب إلى الذّهن ، واللّه العالم . لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ في متابعة سريعة للتّلاوة ، لأنّ اللّه قد تكفّل بجمعه وتسهيل قراءته بكلّ دقّة ، وتكفّل بحفظه من التّحريف بالزّيادة أو النّقصان ، إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ أي قراءته عليك لتردّده في كلّ وقت كما تشاء ، وليردّده المسلمون معك ، وسنجمعه بكلّ كلماته لنضمّ بعضها إلى بعض . . . فلماذا العجلة ، ولماذا الخوف من نسيانه ؟ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ في اتّباع كلماته المقروءة بكلّ هدوء وخشوع ، في استغراق واع لكلّ معانيه . وربّما فسّر البعض الاتّباع بالسيّر على وقف أوامره ونواهيه في الجانب العمليّ . ولكنّ السّياق لا يتناسب معه ، لأنّ الجوّ جوّ حفظ القرآن والاحتفاظ به ، لا جوّ الاتّباع العمليّ . ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ حتّى تتبيّن حروفه لك وللنّاس من خلالك ، كما تتبيّن معانيه ، ليعيش في أذهانهم على مستوى الوضوح في الكلمة ، وفي الجوّ وفي المضمون ، لأنّه جاء نورا للنّاس ليخرجهم من الظّلمات إلى النّور ، فلا يمكن أن يبقى فيه التباس أو غموض . وقد أثار البعض من المفسّرين الحديث - في جوّ