مجمع البحوث الاسلامية
533
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بقوله : لا تُحَرِّكْ إلخ ، ثمّ عاد الكلام إلى تكملة ما ابتدئ به من خطاب النّاس . ونظيره ما لو ألقى المدرّس على الطّالب مسألة ، وتشاغل الطّالب بشيء لا يليق بمجلس الدّرس ، فقال : ألق إليّ بالك ، وتفهّم ما أقول ، ثمّ كمّل المسألة . يقول الفقير أيّده اللّه القدير : لاح لي في سرّ المناسبة وجه لطيف أيضا ، وهو أنّ اللّه تعالى بيّن قبل قوله : لا تُحَرِّكْ بِهِ إلخ ، جمع العظام ومتفرّقات العناصر الّتي هي أركان ظاهر الوجود ، ثمّ انتقل إلى جمع القرآن وأجزائه الّتي هي أساس باطن الوجود ، فقال بعد قوله : أَ يَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظامَهُ القيمة : 03 إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ فاجتمع الجمع بالجمع والحمد للّه تعالى . وقد تحيّر طائفة من قدماء الرّوافض ؛ حيث لم يجدوا المناسبة ، فزعموا أنّ هذا القرآن غيّر وبدّل وزيد فيه ونقص . [ وقد أنكره جمهور الشّيعة ] وفي « التّأويلات النّجميّة » : اعلم أنّ كلّ ما استعدّ لإطلاق الشّيئيّة عليه فله ملك وملكوت ، لقوله تعالى بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ يس : 83 ، والقرآن أشرف الأشياء وأكملها ، فله أيضا ملك وملكوت . فأمّا ملكه فهو الأحكام والشرائع الظّاهرة الّتي تتعلّق بمصالح الأمّة ، من العبادات الماليّة والبدنيّة ، والجنايات والوصايات وأمثالها . وأمّا ملكوته فهو الأسرار الإلهيّة والحقائق اللّاهوتيّة الّتي تتعلّق ببواطن خواصّ الأمّة وأخصّ الخواصّ ، بل بخلاصة أخصّ الخواصّ من المكاشفات والمشاهدات السّرّيّة والمعاينات الرّوحيّة . ولكلّ واحد من الملك والملكوت مدركات يدرك بها لا غير ، لأنّ الوجدانيّات والذّوقيّات لا تسعها ألسنة العبارات ، لأنّها منقطع الإشارات ، فقوله : لا تُحَرِّكْ إلخ ، يشير إلى عدم تعبيره بلسان الظّاهر عن أسرار الباطن ، والحقائق الآبية عن تصرّف العبارات فيها بالتّعبير عنها ، وأنّ مظهره الجامع جامع بين ملك القرآن وملكوته ، وهو عليه السّلام يتّبع بظاهره ملكه وبباطنه ملكوته . نسأل اللّه سبحانه أن يجعلنا من المتّبعين للقرآن في كلّ زمان . ( 10 : 249 ) سيّد قطب : وفي ثنايا السّورة وحقائقها تلك ومشاهدها تعترض أربع آيات ، تحتوي توجيها خاصّا للرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتعليما له في شأن تلقّي هذا القرآن . ويبدو أنّ هذا التّعليم جاء بمناسبة حاضرة في السّورة ذاتها ؛ إذ كان الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم يخاف أن ينسى شيئا ممّا يوحى إليه ، فكان حرصه على التّحرّز من النّسيان يدفعه إلى استذكار الوحي فقرة فقرة في أثناء تلقّيه ، وتحريك لسانه به ليستوثق من حفظه . فجاءه هذا التّعليم : لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ جاءه هذا التّعليم ليطمئنه إلى أنّ أمر هذا الوحي ، وحفظ هذا القرآن ، وجمعه وبيان مقاصده كلّ أولئك موكول إلى صاحبه . ودوره هو ، هو التّلقّي والبلاغ ، فليطمئنّ بالا ، ليتلقّ الوحي كاملا ، فيجده في صدره منفوشا ثابتا ، وهكذا كان . فأمّا هذا التّعليم فقد ثبت في موضعه ؛ حيث نزل ، أليس من قول اللّه ؟ وقول اللّه ثابت في أيّ غرض كان ؟ ولأيّ أمر أراد ؟ وهذه كلمة من كلماته تثبت في صلب