مجمع البحوث الاسلامية
534
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الكتاب شأنها شأن بقيّة الكتاب : ودلالة إثبات هذه الآيات في موضعها هذا من السّورة ، دلالة عميقة موحية على حقيقة لطيفة في شأن كلّ كلمات اللّه ، في أيّ اتّجاه . وفي شأن هذا القرآن ، وتضمنّه لكلّ كلمات اللّه الّتي أوحى بها إلى الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرم منها حرف ، ولم تندّ منها عبارة ، فهو الحقّ والصّدق والتّحرّج والوقار ! ( 6 : 3767 ) عزّة دروزة : تعليق على دلالة آيات لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ وأخواتها . وفي الآيات صورة رائعة من صور التّنزيل القرآنيّ ووحيه ، ترد لأوّل مرّة في وقت مبكّر نوعا ما من العهد المكّيّ ، وهي تثير معاني خطيرة وجليلة نبّهنا إليها بإسهاب في كتابنا « القرآن المجيد » . ومن ذلك أنّها لا تدع محلّا لشكّ ولا مراء حتّى من أشدّ النّاس شكّا ومراء ، بأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان مؤمنا أقوى الإيمان بأنّ الوحي الرّبّانيّ هو الّذي كان يوحي إليه بالقرآن ، لا على معنى أنّه نابع من ذاته ، بل على معنى أنّه من خارج ذاته ، يشعر به في أعماق نفسه ويستمع إليه بأذن بصيرته ويعيه بقلبه . ومن ذلك أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم كان شديد الحرص على ألّا يفلت منه آية أو كلمة أو حرف أو معنى ممّا يوحى إليه . ومن ذلك أنّه كان يأمر بتدوين ما يوحى إليه حالا ، ويملي على كاتبه ، حتّى ما هو تعليم خاصّ له بكيفيّة تلفّيه وحي اللّه عزّ وجلّ وقرآنه ، لأنّه وحي من ذلك أنّ الوحي القرآنيّ كان يقذف من اللّه رأسا في روع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . ولمّا كان هناك آيات صريحة أخرى تفيد أنّ اللّه كان ينزل القرآن على النّبيّ بواسطة جبريل الّذي ذكر اسمه صراحة في هذا الصّدد في آية سورة البقرة : 97 ، وذكر بوصف الرّوح الأمين في آية سورة الشّعراء : 193 ، وبوصف روح القدس في آية سورة النّحل : 102 ، فيقال بسبيل التّوفيق : إنّ في الآيات الّتي نحن في صددها صورة من صور الوحي القرآنيّ ، وهي قذف هذا الوحي من اللّه عزّ وجلّ رأسا في روع النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهذه الصّورة إحدى الصّور الثّلاث لاتّصال اللّه سبحانه بمن يصطفيهم من عباده الّتي انطوت في آية سورة الشّورى هذه : 51 ، وَما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ ما يَشاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ . ( 2 : 11 ) الطّباطبائيّ : لا تُحَرِّكْ بِهِ إلى ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ الّذي يعطيه سياق الآيات الأربع بما يحفّها من الآيات المتقدّمة والمتأخّرة الواصفة ليوم القيامة : أنّها معترضة ، متضمّن أدبا إلهيّا ، كلّف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم وآله أن يتأدّب به حينما يتلقّى ما يوحى إليه من القرآن الكريم ، فلا يبادر إلى قراءة ما لم يقرأ بعد ، ولا يحرّك به لسانه ، وينصت حتّى يتمّ الوحي . فالآيات الأربع في معنى قوله تعالى : وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ طه : 114 . فالكلام في هذه الآيات يجري مجرى قول المتكلّم منّا أثناء حديثه لمخاطبه ، إذا بادر إلى تتميم بعض كلام المتكلّم باللّفظة واللّفظين ، قبل أن يلفظ بها المتكلّم ؛ وذلك يشغله عن التّجرّد للإنصات ، فيقطع المتكلّم