مجمع البحوث الاسلامية

493

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بالنّسيان . وكذا التّحريف في ( 3 ) يرجع إلى لفظ التّوراة ، لما جاء في نزولها في حكم النّبيّ عليه السّلام على من زنى من اليهود محصنا بما في كتابهم من الرّجم ، فحرّفوه بالحدّ ، قائلين : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا أي إن حكم محمّد بالحدّ فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا أي لا تقبلوا حكمه بالرّجم ، والآيات بعدها بيان لحكمه عليه السّلام بينهم : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ إلى وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ . ويؤيّد ما ذكرنا من تحريف اللّفظ قوله فيما بعدها : يَحْكُمُ بِهَا - أي بالتوراة - النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ . . . ففيها إيماء إلى نسيان شيء منها . وبذلك ظهر أنّ ما جاء عن بعضهم هنا من تحريف صفة النّبيّ عليه السّلام - كما قالوا في ( 2 ) - ليس في موضعه . وأمّا التّحريف في ( 4 ) فبعضهم فسّروه بفريق ممّن اختارهم موسى عليه السّلام من قومه ذاهبا بهم إلى الطّور ، فسمعوا كلام اللّه ثمّ حرّفوه حين أدّوه إلى بني إسرائيل . وآخرون حملوه على من حرّف التّوراة في عصر النّبيّ عليه السّلام بتبديل صفته في التّوراة ، أو تبديل حكم الرّجم بالجلد . وشذّ منهم « عزّة دروزة » حيث صرفها إلى تحريف ما سمعوا من آيات القرآن . وسياق الآية بيان لتحريف قوم ممّن سلف من اليهود كلام اللّه - أي التّوراة أو كلامه لموسى - عمدا فشبّه اللّه بهم طائفة من اليهود في عصر النّبيّ عليه السّلام ، وحذّر المؤمنين عن الطّمع في إيمانهم . قال الطّباطبائيّ : « يعني أنّ كتمان الحقائق وتحريف الكلام من شيمهم ، فلا ينبغي أن يستبعد نكولهم عمّا قالوا ونقضهم ما أبرموا » . وقال الفخر الرّازيّ : ما حاصله : إن كان المحرّفون في زمن موسى فحرّفوا ما لا يتّصل بأمر النّبيّ عليه السّلام ، وإن كانوا في زمنه ، فالأقرب تحريفهم أمره عليه السّلام ، وظاهر القرآن لا يدلّ على أحد الأمرين . 2 - هذا كلّه فيما حرّفوه ، وأمّا أنّهم هل حرّفوا اللّفظ بتغييره بلفظ آخر أو بتأويله إلى غير معناه ؟ فالقوم مردّدون بينهما في الآيات الأربع ، واختار الطّبريّ الثّاني والزّمخشريّ الأوّل ، ونحن رجّحنا الأوّل في الجميع . واحتمل الفخر الرّازيّ وجها ثالثا وهو إلقاء الشّبه الباطلة والتّأويلات الفاسدة - وهذا راجع إلى الثّاني - . ثمّ أشكل في تغيير اللّفظ بأنّه كيف يمكن هذا في الكتاب الّذي بلغت آحاد حروفه وكلماته مبلغ التّواتر المشهور في الشّرق والغرب ؟ وأجاب هو بأنّ القوم كانوا قليلين والعلماء بالكتاب كانوا في غاية القلّة . وقيل : إنّه وقع قبل انتشار التّوراة دون بعدها . والّذي يحلّ المشكلة أنّهم قاسوا التّوراة بالقرآن الّذي اهتمّ بحفظه من لدن نزوله المئات والآلاف وإلى هذا الزّمان في كلّ عصر الملايين ، وعدّدوا كلماته وحروفه ، وضبطوا رسومه وأشكاله ، وحدّدوا قراءاته ، حتّى إنّ كلّا من هذه عدّ علما من علوم القرآن . أمّا التّوراة فكانت نسخها قليلة خاصّة بالأحبار دون غيرهم ، مع اختلافها حسب فرقهم ، فكان منهم من