مجمع البحوث الاسلامية

494

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يخفي شيئا منها حسب أهوائهم ، كما قال : قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً . . . الأنعام : 91 ، و يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . . . المائدة : 15 . 3 - جاء في ( 1 و 2 ) يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ، * وفي ( 3 ) يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ، وكلّ من صرف التّحريف إلى تأويل اللّفظ قال : مواضعه هي معانيه الّتي وضعت لها ، فكانوا يحولّون اللّفظ بالتّأويل إلى غير معناه . وهذا محتمل وليس متعيّنا . وقد فرّق الزّمخشريّ بينهما بأنّ عَنْ مَواضِعِهِ * بإبدال غيره مكانه ، و مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ بأنّه كانت له مواضع هو قمن بأن يكون فيها ، فحين حرّفوه تركوه كالغريب الّذي لا موضع له ، أي حرّفوه عن موضعه إلى موضع آخر . وفرّق الفخر الرّازيّ بينهما بأنّ عَنْ مَواضِعِهِ * أي إنّهم يأوّلونها إلى تأويلات فاسدة دون أن يخرجوا تلك اللّفظة من الكتاب . وأمّا مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ فإنّهم - إضافة إلى التّأويلات الفاسدة لها - يخرجونها من الكتاب . وفرّق بينهما أبو حيّان بأنّهما سياقان ، فإنّهم إذا وصفوا بشدّة التّمرّد والطّغيان وإظهار العداوة . . . جاء يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ ، * كما قال : وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، ر فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ ، فكأنّهم لم بتركوا الكلم عن التّحريف بعد استقرارها ، بل بادروا إلى تحريفها بأوّل وهلة . وإذا وصفوا ببعض لين وترديد وتحكيم للرّسول في بعض الأمر جاء مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ ، كما قال : إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا ، و فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ فكأنّهم لم يبادروا بالتّحريف ، بل عرض لهم التّحريف بعد استقرار الكلم في مواضعها . . . وقد يقال : إنّهما سيّان ، لكنّه حذف في بعضها شيء ذكر في بعضها مع تفاوت بين المحذوف والمذكور ، وهو الأقرب عندنا ، واختاره « الشّربينيّ » . 4 - وقد نبّه رشيد رضا - استلهاما من شيخه الإمام عبده - على ما اعترف به بعض المتأخّرين من أهل الكتاب على تحريف التّوراة ، وفقدان بعضها ، وما فيها من الخلط والتّكرار ، فلاحظ . 5 : نبّه فضل اللّه على أنّ اللّه حدّثنا في هذه الآيات على أنّ اليهود لا يواجهون القضايا من موقع مداليلها الحقيقيّة بصراحة ، ولا يستقيمون في تعاملهم مع المبادئ والأشخاص والكلمات ، بل يعملون على تحريف الأمور - إلى أن قال - وهذا أسلوب قرآنيّ يريد اللّه من خلاله أن يوحي للمؤمنين بأن يدرسوا طبيعة الأشخاص ، من مواقع تاريخهم وانتماءاتهم وعلاقاتهم ومواقفهم ، قبل الاستماع إليهم ، ليعرفوا من ذلك الأساليب الّتي يتّبعونها في الدّعوة . . . المحور الثّاني : التّحرّف عن القتال في ( 5 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ * وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً