مجمع البحوث الاسلامية

49

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ومنها : أنّ في الأوليين ذكرا لوقت نزول العذاب - دون الأخيرة - وهو الصّبح إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ وحين إشراق الشّمس : فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ . ومنها : جاء فيهما : فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ وفي الأخيرة : لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ ففيها ( نرسل ) وفاعله ( الملائكة ) بدلا من ( امطرنا ) في الأوليين وفاعله ( اللّه ) ، و ( طين ) بدل ( سجّيل ) رعاية لرويّ الآيات قبلها وبعدها ، فلاحظ . ومنها : أنّ ( الحجارة ) وصفت في الأولى ب ( منضود ، مسوّمة عند ربّك ) ، وفي الأخيرة ب ( مسوّمة عند ربّك ) ولم توصف بها في الثّانية ، إلى غيرها من الفروق بينها ، لاحظ « ه ود » . 4 - : جاءت ( حجارة ) فيها جميعا نكرة - وهي اسم جنس - تعمية وتهويلا ، كأنّها كانت من الكثرة ، والشّدّة والصّلابة بمرتبة لا تقدّر بقدر ولا توصف بوصف . 5 - واثنتان منها ( 13 و 14 ) حكاية عذاب طائفتين بحجارة في عصر النّبيّ عليه السّلام : إحداهما حادثة الفيل وقد وقعت ، والأخرى ما اقترحه المشركون من العذاب ، ولم يقع : أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ * أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ الفيل 5 . وَإِذْ قالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ * وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ الأنفال : 32 ، 33 . 6 - وفيهما جاءت ( حجارة ) نكرة أيضا تهويلا مع تفاوت بينهما ، ففي الأولى : تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ، وفي الثّانية : فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ ، وفي كلّ من رمي الحجارة من سجّيل وإمطارها من السّماء نوع من التّعنيف والتّخويف . وتفاوت آخر أنّ الأولى قد وقعت تعظيما للكعبة ، والثّانية لم تقع تعظيما للنّبيّ عليه السّلام ، كما نطق به ما بعدها . وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ . . . . 7 - وواحدة من السّتّ ( 15 ) جاءت ( الحجارة ) فيها مرّتين معرّفة بلام الجنس - تكبيرا وتشديدا - تشبيها بها قلوب بني إسرائيل بعد ما رأوا الآيات : ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ البقرة : 74 . 8 - شبّهت فيها شقاوة قلوبهم - وهي أمر باطنيّ نفسيّ - بصلابة الحجارة - وهي جسم مرئيّ - تجسيما لشقاوتها ، أي لو تجسّمت قلوبهم لكانت في الشّدّة والصّلابة كالحجارة أو أشدّ منها فلا تنفذ فيها الموعظة ، كما أنّ الحجارة لا تنفذ فيها جسم آخر ، وهذا من قبيل تشبيه غير المحسوس بالمحسوس ، وهو نوع من التّشبيه في علم البلاغة . 9 - لم يكتف القرآن في تجسيم قلوبهم بالحجارة ، بل زاد عليها ( أشدّ منها ) ثمّ بيّن كيف كانت تلك القلوب ، أشدّ من الحجارة ، فوصف الحجارة بأوصاف ثلاثة تحاكي انعطافها وتأثّرها أحيانا ، وهي : تفجّر الأنهار ،