مجمع البحوث الاسلامية
476
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ومن الممكن أن يكون المراد بتحريف الكلم عن مواضعه ما سيذكره تعالى بقوله : وَيَقُولُونَ سَمِعْنا وَعَصَيْنا فتكون هذه الجملة معطوفة على قوله : ( يحرّفون ) ، ويكون المراد حينئذ من تحريف الكلم عن مواضعه : استعمال القول بوضعه في غير المحلّ الّذي ينبغي أن يوضع فيه . فقول القائل : ( سمعنا ) من حقّه أن يوضع موضع الطّاعة ، فيقال : سمعنا وأطعنا ، لا أن يقال : سَمِعْنا وَعَصَيْنا أو يوضع : ( سمعنا ) موضع التّهكّم والاستهزاء ، وكذا قول القائل : ( اسمع ) ، ينبغي أن يقال فيه : اسمع أسمعك اللّه ، لا أن يقال : اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ أي لا أسمعك اللّه ، ( وراعنا ) وهو يفيد في لغة اليهود معنى : اسمع غير مسمع . ( 4 : 364 ) حسنين مخلوف : يميلونه عن مواضعه ، ويجعلون مكانه غيره ، أو يتأوّلونه على ما يشتهون ، من التّحريف وهو التّغيير ، ومنه قولهم : طاعون يحرّف القلوب ، أي يميلها ويجعلها على حرف ، أي جانب وطرف ، وأصله من « الحرف » ، يقال : حرّف الشّيء عن وجهه : صرفه عنه . ( 1 : 152 ) عبد الكريم الخطيب : مِنَ الَّذِينَ هادُوا . . . يكشف ، عن تلبيسات اليهود ، وموارد نفاقهم ، إنّهم ينافقون بالكلمة وبالعمل معا ، تلتوي ألسنتهم بالكلمات فتزيلها عن معانيها الّتي لها ، وتعبث أيديهم بالعمل فتموّهه وتزيّفه ، وتجعل ظاهره غير باطنه ، كما يطلى المعدن الخسيس بسراب خادع من معدن كريم . ( 3 : 806 ) المصطفويّ : أي يجعلون الكلمات والجملات خارجة عمّا وضعت لها وفيها ، ويضعونها في أطراف تلك المواضع . وهذا التّحريف إمّا من جهة المعنى ، فيكون المراد من المواضع : المصاديق ، أو من جهة الظّاهر والمكان والمحلّ ، فيكون المراد : تغيير محالّها إلى أطراف تلك المواضع . وأمّا تبديل الكلمة بكلمة أخرى فليس بتحريف . ( 2 : 213 ) مكارم الشّيرازيّ : تشرح هذه الآية صفات جماعة من أعداء الإسلام ، وتشير إلى جانب من أعمالهم ومواقفهم ، فتقول أوّلا : إنّ أحد أعمال هذه الجماعة هو تحريف الحقائق ، وتغيير حقيقة الأوامر الإلهيّة مِنَ الَّذِينَ هادُوا . . . أي أنّ جماعة من اليهود يحرّفون الكلمات عن مواضعها . وهذا التّحريف قد يكون له جانب لفظيّ ، وقد يكون له جانب معنويّ وعمليّ . أمّا العبارات اللّاحقة فتفيد أنّ المراد من التّحريف في المقام هو التّحريف اللّفظيّ ، وتغيير العبارة . ( 3 : 225 ) فضل اللّه : هؤلاء هم اليهود الّذين هم أشدّ النّاس عداوة للّذين آمنوا ، وقد حدّثنا اللّه عنهم أنّهم لا يواجهون القضايا من موقع مداليلها الحقيقيّة بصراحة ، ولا يستقيمون في تعاملهم مع المبادئ والأشخاص والكلمات ، بل يعملون على تحريف الأمور - ولا سيّما الكلمات الّتي توحي بالمبادئ الصّحيحة - عن مواضعها ، بما يتناسب مع شهواتهم وأهدافهم . ولهذا فإنّ على المؤمنين أن يحذروا منهم حتّى في الحالات الّتي يتحدّثون فيها بكلام اللّه ، لأنّهم - أي