مجمع البحوث الاسلامية

474

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

واشتهارها ممّا هنا . وذلك لأنّ الظّرف يدلّ على أنّه بعد ما ثبت الموضع وتقرّر حرّفوه عنه . واختار ذلك هنا لك ، لأنّ فيه ما يقتضي الإتيان بالأدلّ الأبلغ . ( 5 : 46 ) رشيد رضا : تحريف الكلم عن مواضعه ، هو إمالته وتنحيته عنها كأن يزيلوه بالمرّة ، أو يضعوه في مكان غير مكانه من الكتاب ، أو المراد ب ( مواضعه ) : معانيه ، كأن يفسّروه بغير ما يدلّ عليه ، قال الأستاذ الإمام : التّحريف يطلق على معنيين : أحدهما : تأويل القول بحمله على غير معناه الّذي وضع له ، وهو المتبادر ، لأنّه هو الّذي حملهم على مجاحدة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإنكار نبوّته وهم يعلمون ؛ إذ أوّلوا ولا يزالون يؤوّلون البشارات به إلى اليوم ، كما يؤوّلون ما ورد في المسيح ، ويحملونه على شخص آخر لا يزالون ينتظرونه . ثانيهما : أخذ كلمة أو طائفة من ( الكلم ) من موضع من الكتاب ، ووضعها في موضع آخر ، وقد حصل مثل هذا التّشويش في كتب اليهود : خلطوا فيما يؤثر عن موسى عليه السّلام ما كتب بعده بزمن طويل ، وكذلك وقع في كلام غيره من الأنبياء . وقد اعترف بهذا بعض المتأخّرين من أهل الكتاب ، وإنّما كان هذا منهم بقصد الإصلاح . وهذا النّوع من التّحريف لا يضرّ المسلمين ، ولم يكن هو الحامل على إنكار ما جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . هذا ما قرّره الأستاذ الإمام في الدّرس ، وكتبت في مذكّرتي عند كتابته : كأنّه وجد عندهم قراطيس متفرّقة ، أي بعد أن فقدت النّسخة الّتي كتبها موسى عليه السّلام ، فأرادوا أن يؤلّفوا بين الموجود فجاء فيه ذلك الخلط ، وهذا سبب ما جاء في أسفار التّوراة من الزّيادة والتّكرار . وقد أثبت العلماء تحريف كتب العهد العتيق والعهد الجديد بالشّواهد الكثيرة . وفي كتاب « إظهار الحقّ » للشّيخ رحمة اللّه الهنديّ مئة شاهد على التّحريف اللّفظيّ والمعنويّ فيها ، والأوّل ثلاثة أقسام : تبديل الألفاظ ، وزيادتها ، ونقصانها . فمن الشّواهد على الزّيادة ما جاء في سفر التّكوين « 36 : 31 » و « هؤلاء الملوك الّذين ملكوا في أرض أدوم قبل أن ملك ملك لبني إسرائيل » . ولا يمكن أن يكون هذا من كلام موسى عليه السّلام لأنّه لم يكن لبني إسرائيل ملك في تلك الأرض إلّا من بعده ، وكان أوّل ملوكهم « شاول » وهو بعد موسى بثلاثة قرون ونصف ، وقد قال آدم كلارك - أحد مفسّري التّوراة - : أظنّ ظنّا قويّا قريبا من اليقين أنّ هذه الآيات ، أي من ( 32 - 39 ) كانت مكتوبة على حاشية نسخة صحيحة من التّوراة ، فظنّ النّاقل أنّها جزء المتن ، فأدخلها فيه ! ! ومنها في سفر تثنية الاشتراع « 3 : 14 ) : « يائير بن منسيّ أخذ كلّ كورة أرجوب إلى تخم الجشوريّين والمعكيّين ودعاها على اسمه باشان حوّوث يائير إلى هذا اليوم » قال هورن في المجلّد الأوّل من تفسيره بعد إيراد هذه الفقرة والفقرة السّابقة : « هاتان الفقرتان لا يمكن أن يكونا من كلام موسى عليه السّلام ، لأنّ الأولى دالّة على أنّ مصنّف هذا الكتاب « سفر التّكوين أو التّوراة كلّها » وجد بعد زمان قامت فيه سلطنة بني إسرائيل ، والفقرة الثّانية دالّة على أنّ مصنّفه كان بعد زمان إقامة اليهود في فلسطين » إلى آخر ما قاله ، ومنه أنّ هاتين