مجمع البحوث الاسلامية
45
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فهنا سؤالان : لماذا جاءت في هذه « بيوت » وفي ذاك « حجرات » ، ولماذا أطلقت ( الحجرات ) وأضيفت ( بيوت ) ؟ والجواب عن الأوّل : أنّ الحجرات والبيوت في المحاورات العامّة واحدة ، إلّا أنّهما من حيث الجذر مختلفتان ، فالحجرة - كما سبق - من « الحجر » أي المنع ، وهي المكان المحدّد لصاحبها الممنوع لغيره ، يختلي هو فيها بأهله ، ويحفظ موضعه في المجتمع ، ففيها نوع حرمة وعورة . ولمّا كان الّذين ينادونه من وراء الحجرات يهتكونه بندائه في حرمه ، فكان التّعبير عنه ب « الحجرة » أوقع وأنسب ، كأنّه قال : لماذا لا تراعون موضعه فيكم وتهتكونه في حرمه وحرمه ، ولا تحفظون كرامته في حياته الشّخصيّة الدّاخليّة الأسرويّة ، فهذا هتك لحرمته عليه السّلام . ويؤيّده أنّ هذه من جملة آيات صدر سورة الحجرات - وبها سمّيت إجلالا للنّبيّ عليه السّلام - وفي هذه الآيات أدب العشرة مع النّبيّ عليه السّلام ، ووظائف النّاس حياله ، رعاية لمقامه الرّفيع . وأمّا « البيت » فهو في الأصل من « البيتوتة » أي موضع النّوم والاستراحة ليلا ، وهو ألصق بالمنع عن دخول بيوته في لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ ويؤيّده ما بعدها إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ . . . إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ . . . وكذا في وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ و وَاذْكُرْنَ ما يُتْلى فِي بُيُوتِكُنَّ فإنّ بيوتهنّ مواضع الاستراحة والاحتفاظ والخلوة ، وكانت تتلى فيها الآيات ليلا ونهارا وهنّ في راحة وخلوة . فالتّعبير ب ( بيوت ) في الآيات الثّلاث أنسب بما أريد منها من الرّاحة وعدم المضايقة . وحاصل الفرق بين اللّفظين : ( الحجرات ) و ( البيوت ) أنّ التّركيز في الأوّل على الاحترام والتّكريم ، وفي الثّاني على الخلوة والسّكون والرّاحة . وهناك فرق آخر بينهما ، وهو إطلاق « الحجرة » على الغرفة فقط الخاصّة به عليه السّلام ، و « البيت » على مجموع ما خلف الباب ، فهذا أوسع مفهوما من ذاك . وأمّا الجواب عن السّؤال الثّاني ، وهو لم أطلقت ( الحجرات ) وأضيفت ( بيوت ) ؟ - فقد سبق أنّه مشعر بشهرتها وموضعها الرّفيعة عند اللّه وعند النّاس كمسجده وبلده ، فالإطلاق فيها كان ينصرف إلى حجراته . أمّا ( البيوت ) فلم يكن يفهم منها المقصود إلّا بالإضافة إمّا إلى النّبيّ ، أو إلى نسائه عليه السّلام ، لاحظ البيوت ، الاستعمال القرآنيّ الرّقم السّابع . 4 - قالوا : « حجرة » فعلة بمعنى المفعول ك « غرفة وقيضة » أي المحجورة والممنوعة ، و « حجرات » جمع لها عند الزّمخشريّ وغيره ، وعند آخرين جمع الجمع ، فهو جمع الحجر ، والحجر : جمع حجرة ، والحكم فيه لعلماء اللّغة . 5 - القراءة المشهورة ( الْحُجُراتِ ) بضمّ الحاء والجيم ، وقد قرئ بضمّ الحاء مع فتح الجيم وسكونها . واحتجّ لها الطّبرسيّ - كعادته - بأنّ من قرأ بفتح الجيم أبدل من الضّمّة فتحة ، استثقالا لتوالي الضّمّتين ، ومن أسكن الجيم فهو مثل عضد وعضد ، ولنا في كثير من الحجج على القراءات نظر ، لاحظ بحث القراءات في المدخل .