مجمع البحوث الاسلامية

423

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والحرس من الملائكة ، وهم ممّا وراء عالم الطّبيعة والمادّة . فيظهر من هذه الآية الكريمة : أنّ مرتبة الجنّ فيما دون مرتبة الملائكة ، فإنّهم إذا أرادوا الصّعود إلى جانب محيط الملائكة لم يقدروا ، ويمنعون من الصّعود إليهم ، كما أنّ الإنسان لا يقدر الصّعود إلى السّماء المادّيّ . وأمّا الحرس : فهم أقوياء من الجنّ ، يحرسون حدود المراتب ، ويمنعون عن التّجاوز ، والخروج عن النّظم ، والشّهب : قوى مانعة رادعة . وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ الصّافّات : 7 ، 8 . أي لا يقدرون السّمع والاستفادة . ( 2 : 206 ) الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : الحرس ، أي الحفظ . يقال : حرس الشّيء يحرسه ويحرسه حرسا ، أي حفظه ، فهو حارس ، وهم حرّاس وحرس وأحراس . والحرس : حرس السّلطان ، وهم الحرّاس ؛ والواحد : حرسيّ . وتحرّست من فلان واحترست منه : تحفّظت منه ، وفي المثل : « محترس من مثله وهو حارس » ، يقال ذلك للرّجل الّذي يؤتمن على حفظ شيء لا يؤمن أن يخون فيه . وبناء أحرس : أصمّ ، فهو محفوظ من التّداعي والانهيار ، لصلابته وإحكامه . ومنه قولهم : حرس الإبل والغنم يحرسها ويحرسها حرسا واحترسها ، أي سرقها ليلا فأكلها ، فهو حارس ومحترس ، لأنّ السّارق - كما قال ابن فارس - يرقب الشّيء كأنّه يحرسه حتّى يتمكّن منه . والحريسة : الشّاة الّتي تسرق ليلا ، أو الّتي يدركها اللّيل قبل أن تصل إلى مراحها ، وهي « فعيلة » بمعنى « مفعولة » ، أي أنّ لها من يحرسها ويحفظها ؛ والجمع : حرائس وحراسات ، يقال : فلان يأكل الحراسات ، أي يتسرّق غنم النّاس فيأكلها . والحرس : الدّهر ؛ والجمع : أحرس ، لأنّه يبقى ويفنى النّاس ، أو كأنّه يرقبهم جيلا بعد جيل . يقال : أحرس بالمكان ، أي أقام به حرسا ، أي دهرا . والمحراس : سهم عظيم ، عريض القذذ ، لأنّه يتحفّظ منه ويحترز . 2 - ويقال أيضا : احترزت من كذا وتحرّزت ، أي توقّيته ، وأحرزت الشّيء أحرزه إحرازا : حفظته وضممته إليّ وصنته عن الأخذ ، كما يقال : احترست منه ، أي تحفّظت منه . وإبدال السّين زايا معروف في اللّغة ، كقولهم : سرط اللّقمة وزرطها ، أي ابتلعها ، فهو سرّاط وزرّاط ، ولعلّ الأصل في احترز واحترس الزّاي ؛ إذ لم تعرف لغة السّين في سائر اللّغات السّاميّة ، فقد ورد لفظ « حرز » بمعنى الملجأ والتّعويذة في السّريانيّة ، ولعلّه الأصل لكلتا اللّغتين . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد ( حرسا ) في سورة مكّيّة : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً الجنّ : 8 وفيها بحوث : 1 - قال الطّوسيّ : « إنّ حرس جمع حارس » ، وقال