مجمع البحوث الاسلامية
319
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الإسلام ، ويعلم أنّه إنّما يستهدف أمرا هائلا ثقيلا ، دونه صعاب جسام ، يستهدف إنشاء عقيدة وتصوّر ، وقيم وموازين ، وأوضاع وأحوال مغايرة تمام المغايرة لما هو كائن في دنيا النّاس . ويجد من رواسب الجاهليّة في النّفوس ، ومن تصوّرات الجاهليّة في العقول ، ومن قيم الجاهليّة في الحياة ، ومن ضغوطها في الأوضاع والأعصاب ، ما يحسّ معه أنّ كلمة الحقيقة الّتي يحملها غريبة على البيئة ، ثقيلة على النّفوس ، مستنكرة في القلوب ، كلمة ذات تكاليف بقدر ما تعنيه من الانقلاب الكامل ، لكلّ ما يعهده النّاس في جاهليّتهم من التّصوّرات والأفكار ، والقيم والموازين ، والشّرائع والقوانين ، والعادات والتّقاليد ، والأوضاع والارتباطات . ومن ثمّ يجد في صدره هذا الحرج من مواجهة النّاس بذلك الحقّ الثّقيل ، الحرج الّذي يدعو اللّه سبحانه نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ألّا يكون في صدره من هذا الكتاب شيء منه ، وأن يمضي به وينذر ويذكّر ، ولا يحفل ما تواجهه كلمة الحقّ من دهشة واستنكار ، ومن مقاومة كذلك وحرب وعناء . ( 3 : 1246 ) عزّة دروزة : حرج : ضيق وغمّ ، وقيل : شكّ . وبعض المفسّرين أوّلوا جملة فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ بمعنى لا يضق صدرك بتلاوته وتبليغه للنّاس وإنذارهم به ، وهو الأوجه . [ إلى أن قال : ] ولقد تكرّر في القرآن نهي النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عن الاستشعار بضيق الصّدر من تبليغ آيات اللّه ، ومن ذلك ما جاء في آية : 12 ، من سورة هود هذه فَلَعَلَّكَ تارِكٌ . . . وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ وقد احتوت الآية تثبيتا مثل التّثبيت الّذي احتوته الآيات الّتي نحن في صددها . ولقد حكت آيات عديدة مرّت أمثلة منها ما كان من مواقف النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم القويّة الجريئة في مواجهة طواغيت الكفّار ، كما حكت آيات عديدة ما كان من عمق إيمانه برسالته واستغراقه فيها ، مثل آية : 19 ، من سورة الأنعام هذه قُلْ أَيُّ شَيْءٍ . . . مِمَّا تُشْرِكُونَ ، وآية : 8 ، من سورة الأحقاف هذه أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ . . . وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . حيث يتبادر من ذلك أنّ ذلك ليس بسبيل بيان كون صدر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم يضيق فعلا بتبليغ القرآن للنّاس ، لأنّه قد بلغ المرتبة الّتي خلصت نفسه بها من كلّ تردّد أو نفاد صبر أو ضيق صدر : بإعلان ما يوحى إليه أو شبهة في علوّ كلمة اللّه في النّهاية . وإنّما كان يعتلج في نفسه همّ وحزن دائمان ، بسبب وقوف الزّعماء موقف العناد والمناوأة والصّدّ ، وانكماش أكثريّة النّاس عن دعوته نتيجة لذلك ، على شدّة حرصه على هدايتهم ، فكانت حكمة التّنزيل تقتضي موالاته بالتّثبيت والتّهوين ، على ما شرحناه في سياق تفسير سورة « ق » ، والعبارة هنا من هذا الباب . ( 2 : 114 ) الطّباطبائيّ : كأنّه قيل : هذا كتاب مبارك يقصّ آيات اللّه ، أنزله إليك ربّك فلا يكن في صدرك حرج منه ، كما أنّه لو كان كتابا غير الكتاب وألقاه إليك ربّك ، لكان من حقّه أن يتحرّج ويضيق منه صدرك ، لما في تبليغه ودعوة النّاس إلى ما يشتمل عليه من الهدى من المشاقّ والمحن . ( 8 : 7 )