مجمع البحوث الاسلامية

316

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يلازمه من الحرج ، فإنّ الشّاكّ يعتريه ضيق الصّدركما أنّ المتيقّن يعتريه انشراحه وانفساحه ، مبالغة في تنزيه ساحته عليه الصّلاة والسّلام ، وما قد يقع من نسبته إليه في ضمن النّهي ، فعلى طريقة التّهيّج والإلهاب والمبالغة في التّنفير والتّحذير بإيهام أنّ ذلك من القبح والشّرّيّة ؛ بحيث ينهى عنه من لا يمكن صدوره عنه أصلا ، فكيف بمن يمكن ذلك منه . والتّنوين للتّحقير ، والجرّ في ( منه ) متعلّق ب ( حرج ) يقال : حرج منه ، أي ضاق به صدره ، أو بمحذوف وقع صفة به ، أي حرج كائن منه ، أي لا يكن فيك ما في حقّيّته ، أو في كونه كتابا منزلا إليك من عنده تعالى . فالفاء على الأوّل لترتيب النّهي أو الانتهاء على مضمون الجملة ، فإنّه ممّا يوجب انتفاء الشّكّ فيما ذكر بالكلّيّة وحصول اليقين به قطعا . وأمّا على الثّاني فهي لترتيب ما ذكر على الإخبار بذلك لا على نفسه ، فتدبّر . وتوجيه النّهي إلى الحرج مع أنّ المراد نهيه عليه الصّلاة والسّلام عنه : إمّا لما مرّ من المبالغة في تنزيهه عليه الصّلاة والسّلام عن الشّكّ فيما ذكر ، فإنّ النّهي عن الشّيء ممّا يوهم إمكان صدور المنهيّ عنه عن المنهيّ . وإمّا للمبالغة في النّهي ، فإنّ وقوع الشّكّ في صدره عليه الصّلاة والسّلام سبب لاتّصافه عليه الصّلاة والسّلام به ، والنّهي عن السّبب نهي عن المسبّب بالطّريق البرهانيّ ، ونفي له من أصله بالمرّة ، كما في وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ المائدة : 2 ، وليس هذا من قبيل : « لا أرينّك هاهنا » ، فإنّ النّهي هناك وارد على المسبّب مراد به النّهي عن السّبب ، فيكون المآل نهيه عليه الصّلاة والسّلام عن تعاطي ما يورث الحرج ، فتأمّل . وقيل : الحرج على حقيقته ، أي لا يكن فيك ضيق صدر من تبليغه مخافة أن يكذّبوك ، وأن تقصّر في القيام بحقّه ، فإنّه عليه الصّلاة والسّلام كان يخاف تكذيب قومه له وإعراضهم عنه ، فكان يضيق صدره من الأداء ولا ينبسط له ، فآمنه اللّه تعالى ونهاه عن المبالاة بهم . فالفاء حينئذ للتّرتيب على مضمون الجملة أو على الإخبار به ، فإنّ كلّا منهما موجب للإقدام على التّبليغ وزوال الخوف قطعا ، وإن كان إيجابه الثّاني بواسطة الأوّل . ( 2 : 472 ) نحوه ملخّصا البروسويّ . ( 3 : 134 ) الآلوسيّ : أي شكّ ، كما قال ابن عبّاس وغيره . وأصله : الضّيق ، واستعماله في ذلك مجاز - كما في « الأساس » - علاقته اللّزوم ، فإنّ الشّاكّ يعتريه ضيق الصّدر كما أنّ المتيقّن يعتريه انشراحه وانفساحه . والقرينة المانعة هو امتناع حقيقة الحرج والضّيق من الكتاب ، وإن جوّزتها فهو كناية . وعلى التّقديرين هو قد صار حقيقة عرفيّة في ذلك كما قاله بعض المحقّقين . وجوّز أن يكون باقيا على حقيقته لكن في الكلام مضاف مقدّر كخوف عدم القبول والتّكذيب ، فإنّه صلّى اللّه عليه وسلّم كان يخاف قومه وتكذيبهم وإعراضهم عنه وأذاهم له ، ويشهد لهذا التّأويل : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ هود : 12 ، وللأوّل : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ البقرة : 147 ، وقد يقال : إنّه كناية عن