مجمع البحوث الاسلامية

286

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

شبّه حال إتيانهم النّساء في المأتى بحال إتيانهم المحارث في عدم الاختصاص بجهة دون جهة ، ثمّ أطلق لفظ المشبّه به على المشبّه . والأوّل أظهر وأوفق لتفريع حكم الإتيان على تشبيههنّ بالحرث تشبيها بليغا ، وهذه الجملة مبيّنة - لما قبلها - فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . . . » وقال رشيد رضا : « أحلّ قبلها غشيان النّساء ، وبيّن في هذه الآية حكمة هذا الغشيان . . . وهي الاستنتاج والاستيلاد ، لأنّ الحرث هو الأرض الّتي تستنبت ، والاستيلاد كالاستنبات ، وهذا التّعبير على لطفه ونزاهته ، وبلاغته وحسن استعارته تصريح بما فهم من فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ . . . » ، أو بيان له . هذه الأقوال مختلفة لفظا ، وإجمالا وتفصيلا ، متّحدة مفهوما ، وهي شاهدة على احتواء الآية على نكات بلاغيّة ، لاحظ المصطلحات البلاغيّة في « المدخل » . 2 - فقد اتّفقوا على أنّ المراد ب نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أنّهنّ مزرعة للولد بالجماع ، بشهادة فَأْتُوهُنَّ قبلها ، و فَأْتُوا حَرْثَكُمْ بعدها . وشذّ المصطفويّ بأنّ المراد بها النّظر إليهنّ ابتهاجا ومسرّة كالنّظر إلى المزارع بحجّة أنّ النّساء سكن للرّجال ، كما قال : خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها الرّوم : 21 ، وأنّ المزارع هي سبب ابتهاج النّاس ، كما قال : اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ الحجّ : 5 ، وقال : « وقد اشتبه على المفسّرين تفسير هذه الآية - أي نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ - حيث فسّروا الحرث بالزّرع ، ووقعوا في انحراف عن الحقيقة ، فإنّ النّساء للسّكون إليها والتّعيّش معها في الحياة توجب الأنس بها مسرّة وبهجة ، والزّرع من آثار تلك الحياة » . ونقول له : أوّلا : إنّ الأمر بالإتيان مرّتين - قبلها وبعدها - كالصّريح فيما اجتمعوا عليه من إرادة مجامعتهنّ ، خاصّة إنّ الأمر بالإتيان جاء عقيب الأمر باعتزالهنّ في المحيض : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ البقرة : 222 ، وقد سكت المصطفويّ عنه ، ولو أريد بها الابتهاج بهنّ لكان المناسب أن يقول : « فانظروا إليهنّ » . وثانيا : كون النّساء سكنا لا ينافي كونهنّ حرثا للولد بالجماع بل جمع اللّه بينهما في آدم وزوجه : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً . . . الأعراف : 189 . على أنّ أكبر السّكون بهنّ يحصل بالتّشفّي بهنّ من طغيان الشّهوة الجنسيّة ، ممّا نصّ عليه القرآن مرّات : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ . . . آل عمران : 14 ، إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ . . . الأعراف : 81 ، أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إِلى نِسائِكُمْ البقرة : 187 . 3 - فرّعوا على ما ذكر في وجه إطلاق الحرث على النّساء أنّ المراد ب فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ إتيانهنّ في فروجهنّ ، لأنّها موضع الحرث ، وأنّ المراد ب ( انّى شئتم ) من أيّ جهتين : أمام ووراء ، دون من أيّ السّبيلين لكي يستفاد منه تحليل الدّبر ، بداهة أنّ الدّبر لا يأتي منه الولد وليس حرثا .