مجمع البحوث الاسلامية

285

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

فأطلق « الحرث » فيها على البستان ، وهي الجنّة والحديقة الّتي كانت « باليمن » أصيب أهلها إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ . وفي خلال آياتها جاء « الصّرم » مرّات : لَيَصْرِمُنَّها مُصْبِحِينَ إِنْ كُنْتُمْ صارِمِينَ ، فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ القلم : 17 ، 20 ، و 22 ، و « الصّريم » خاصّ بالنّخل . قال الطّبرسيّ ج 5 : 335 : « الصّرام والجداد في النّخل بمنزلة الحصاد والقطاف في الزّرع والكرم . . . » . فقد شبّه اللّه فيها بلاء أهل مكّة واختبارهم بالجوع والقحط ببلاء تلك الجنّة الّتي كانت معروفة عند أهل مكّة . لاحظ « ب ل ي : بلوناهم » . وأمّا ( حرث ) في ( 8 ) فظاهرها أنّها « المزرعة » وأنّها مثل ، وليست حكاية لمزرعة معيّنة ، وإن كانت محتملة لها ، كما يرمز إليه ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ، وَما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . وعلى هذا الاحتمال فيجوز حملها على « أصحاب الجنّة » في ( 9 ) فيراد بها البستان أيضا ، إلّا أنّهم سكتوا عنها . ج : جاء « الحرث » مجازا في ( 10 و 11 ) وفي الأولى بحوث : 1 - نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ أطلق فيها ( حرث ) على الأزواج ، وأكثرهم قالوا : إنّها كناية وتشبيه ، أي نساؤكم كحرث لكم ، فهنّ للولد كالأرض للزّرع ، فآتوهنّ أي فجامعوهنّ لتلدن لكم الأولاد . ولهذا قال الماورديّ : « وفي الحرث كناية عن النّكاح » ، وقال الجصّاص : « جعل الحرث في هذا الموضع كناية عن الجماع » وقال القمّيّ : « فالحرث : الزّرع في الفرج في موضع الولد » . وحكى الطّوسيّ : فيه قولين : « هنّ زرع لكم ، أو ذو حرث لكم . وقيل : الحرث كناية عن النّكاح على وجه التّشبيه » . وأضاف الطّبرسيّ وجها ثالثا : « أي كحرث لكم فحذف كاف التّشبيه . . . وقد سمّى العرب النّساء حرثا » . وقال الزّمخشريّ : « مواضع حرث لكم ، وهذا مجاز ، شبّههنّ بالحارث تشبيها لما يلقى في أرحامهنّ من النّطف الّتي منها النّسل بالبذور » . ووسّع الفخر الرّازيّ التّشبيه فقال : « فرج المرأة كالأرض والنّطفة كالبذر ، والولد كالنّبات الخارج - إلى أن قال - وقد يسّمى موضع الشّيء باسم الشّيء على سبيل المبالغة ، كقولك : إنّما هي إقبال وإدبار ، وهذا أمر اللّه ، أي مأموره ، وهذا شهوة فلان أي مشتهاه ، فكذلك حرث الرّجل : محرثه » . وقال أبو السّعود والبروسويّ : « لمّا عبّر عنهنّ بالحرث عبّر عن مجامعتهنّ بالإتيان » . وقال الآلوسيّ : « وعلى كلّ تقدير هو خبر عمّا قبله ، إمّا بحذف المضاف ، أي مواضع حرث ، أو التّجوّز والتّشبيه البليغ ، أي كمواضع ذلك ، وتشبيههنّ بتلك المواضع متفرّع على تشبيه النّطف بالبذور ، من حيث إنّ كلّا منهما مادّة لما يحصل منه ولا يحسن بدونه ، فهو تشبيه يكنّى به عن تشبيه آخر فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أي ما هو كالحرث ، ففيه استعارة تصريحيّة . ويحتمل أن يبقى الحرث على حقيقته ، والكلام تمثيل