مجمع البحوث الاسلامية
275
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ولم يذكر أنّه تعالى يعطيه الدّنيا أم لا ، بل بقي الكلام ساكتا عنه نفيا وإثباتا . وأمّا طالب حرث الدّنيا فانّه تعالى بيّن أنّه لا يعطيه شيئا من نصيب الآخرة على التّنصيص ، وهذا يدلّ على التّفاوت العظيم كأنّه يقول : الآخرة أصل والدّنيا تبع ، فواجد الأصل يكون واجدا للتّبع بقدر الحاجة ، إلّا أنّه لم يذكر ذلك تنبيها على أنّ الدّنيا أخسّ من أن يقرن ذكرها بذكر الآخرة . الرّابع : أنّه تعالى بيّن أنّ طالب الآخرة يزاد في مطلوبه ، وبيّن أنّ طالب الدّنيا يعطى بعض مطلوبه من الدّنيا ، وأمّا في الآخرة فإنّه لا يحصل له نصيب ألبتّة ، فبيّن بالكلام الأوّل أنّ طالب الآخرة يكون حاله أبدا في التّرقّي والتّزايد ، وبيّن بالكلام الثّاني أنّ طالب الدّنيا يكون حاله في المقام الأوّل في النّقصان وفي المقام الثّاني في البطلان التّامّ . الخامس : أنّ الآخرة نسيئة والدّنيا نقد ، والنّسيئة مرجوحة بالنّسبة إلى النّقد ، لأنّ النّاس يقولون : النّقد خير من النّسيئة ، فبيّن تعالى أنّ هذه القضيّة انعكست بالنّسبة إلى أحوال الآخرة والدّنيا . فالآخرة وإن كانت نسيئة إلّا أنّها متوجّهة للزّيادة والدّوام . فكانت أفضل وأكمل ، والدّنيا وإن كانت نقدا إلّا أنّها متوجّهة إلى النّقصان ثمّ إلى البطلان ، فكانت أخسّ وأرذل . فهذا يدلّ على أنّ حال الآخرة لا يناسب حال الدّنيا ألبتّة ، وأنّه ليس في الدّنيا من أحوال الآخرة إلّا مجرّد الاسم ، كما هو مرويّ عن ابن عبّاس . السّادس : الآية دالّة على أنّ منافع الآخرة والدّنيا ليست حاضرة بل لا بدّ في البابين من الحرث ، والحرث لا يتأتّى إلّا بتحمّل المشاقّ في البذر ثمّ التّسقية والتّنمية ثمّ الحصد ثمّ التّنقية ، فلمّا سمّى اللّه كلا القسمين حرثا علمنا أنّ كلّ واحدة منهما لا يحصل إلّا بتحمّل المتاعب والمشاقّ ، ثمّ بيّن تعالى أنّ مصير الآخرة إلى الزّيادة والكمال ، وأنّ مصير الدّنيا إلى النّقصان ثمّ الفناء ، فكأنّه قيل : إذا كان لا بدّ في القسمين جميعا من تحمّل متاعب الحراثة والتّسقية والتّنمية والحصد والتّنقية ، فلأن تصرف هذه المتاعب إلى ما يكون في التّزايد والبقاء أولى من صرفها إلى ما يكون في النّقصان والانقضاء والفناء . المسألة الثّانية : في تفسير قوله : نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ قولان : الأوّل : المعنى أنّا نزيد في توفيقه وإعانته وتسهيل سبل الخيرات والطّاعات عليه . [ والثّاني ] قال مقاتل : نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ بتضعيف الثّواب ، قال تعالى : فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ النّساء : 173 ، وعن النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّه قال : « من أصبح وهمّه الدّنيا شتّت اللّه تعالى عليه همّه وجعل فقره بين عينيه ، ولم يأته من الدّنيا إلّا ما كتب له ، ومن أصبح وهمّه الآخرة جمع اللّه همّه وجعل غناه في قلبه وأتته الدّنيا وهي راغمة عن أنفها » أو لفظ يقرب من أن يكون هذا معناه . المسألة الثّالثة : ظاهر اللّفظ يدلّ على أنّ من صلّى لأجل طلب الثّواب أو لأجل دفع العقاب فإنّه تصحّ صلاته ، وأجمعوا على أنّها لا تصحّ . والجواب : أنّه تعالى قال : مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ