مجمع البحوث الاسلامية
241
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الأمن . وقد يكون ذلك بقتل وقتال وبدونهما . وقد ذكر القتل والقتال في القرآن في أكثر من مئة آية . وأمّا « المحاربة » فلم تذكر إلّا في هذه وفي قوله تعالى في بيان علّة بناء المنافقين لمسجد الضّرار : وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ التّوبة : 107 . قال رواة التّفسر المأثور : أي وترقّبا وانتظارا للّذي حارب اللّه ورسوله من قبل بناء هذا المسجد ، وهو أبو عامر الرّاهب ، فإنّه كان شديد العداوة للإسلام ، ووعد المنافقين بأن يذهب ويأتيهم بجنود من عند قيصر للإيقاع بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم والمؤمنين . فمحاربة هذا الرّاهب من قبل كانت بإثارة الفتن لا بالقتال والنّزال . وأمّا لفظ « الحرب » فقد ذكر في أربعة مواضع من أربع سور ؛ منها : إعلام المصرّين على الرّبا بأنّهم في حرب للّه ورسوله بأكلهم أموال النّاس بالباطل . والباقي بالمعنى المشهور ، وهو ضدّ السّلم . وكان أهل البوادي - ولا يزالون - يغزو بعضهم بعضا لأجل السّلب والنّهب . وقد جعل الفقهاء كتاب المحاربة - ويقولون : الحرابة أيضا - غير كتاب الجهاد والقتال . وجعلوا الأصل فيها هاتين الآيتين . وعرّفوها بأنّها إشهار السّلاح وقطع السّبيل ، واشترط بعضهم كالشّافعيّ أن يكون ذلك من أهل الشّوكة ، كالّذين يؤلّفون العصابات المسلّحة للسّلب والنّهب وقتل من يعارضهم ، أو لمقاومة السّلطة ابتغاء الفتنة والفساد ، واشترطوا فيها شروطا ، سنشير إلى المهمّ منها . أمّا كون هذا النّوع من العدوان محاربة للّه ولرسوله ، فلأنّه اعتداء على شريعة السّلم والأمان ، والحقّ والعدل الّذي أنزله اللّه على رسوله ، فمحاربة اللّه ورسوله هي عدم الإذعان لدينه وشرعه في حفظ الحقوق ، كما قال تعالى في المصرّين على أكل الرّبا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ البقرة : 279 ، وليس معناه محاربة المسلمين ، كما قال بعض المفسّرين . فمن لم يذعنوا للشّرع فيما يخاطبهم به في دار الإسلام يعدّون محاربين للّه ورسوله عليه السّلام ، فيجب على الإمام الّذي يقيم العدل ويحفظ النّظام ، أن يقاتلهم على ذلك - كما فعل الصّديق رضي اللّه عنه بما نعي الزّكاة - حتّى يفيئوا ويرجعوا إلى أمر اللّه ، ومن رجع منهم في أيّ وقت يقبل منه ويكفّ عنه . ولكن إذا امتنعوا على إمام العدل المقيم للشّرع ، وعثوا إفسادا في الأرض ، كان جزاؤهم ما بيّنه اللّه في هذه الآية . فقوله تعالى : وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً المائدة : 33 ، متمّم لما قبله ، أي يسعون فيها سعي فساد ، أو مفسدين في سعيهم لما صلح من أمور النّاس ، في نظام الاجتماع وأسباب المعاش . [ ثمّ أدام الكلام في معنى الفساد ومصاديقه إلى أن قال : ] ولا تتحقّق محاربة اللّه ورسوله ، بمحاربة الشّرع ومقاومة تنفيذه ، وإفساد النّظام على أهله ، إلّا في دار الإسلام . وللكفّار في دار الحرب أحكام أخرى كما قال الفقهاء ، وأحكامهم تذكر في كتاب الجهاد لا في كتاب المحاربة أو الحرابة ، كما تقدّم ، وقد فطن لهذا المعنى بعضهم ولم يتّضح له تمام الاتّضاح فاشترط أن يكون المحاربون المفسدون من المسلمين ، كما تقدّم . والصّواب أن يكون